القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: أيُّها الناسُ، لا تَطْلُبوا الدنيا وزينتَها، فإن مصيرَها إلى فَناء وزَوالٍ، كما مصيرُ النباتِ الذى ضرَبه اللهُ لها مثلًا إلى هلاكٍ وبَوَارٍ، ولكن اطلُبوا الآخرة الباقيةَ، ولها فاعْمَلُوا، وما عندَ اللهِ فالتَمِسوا بطاعتِه، فإن اللهَ يَدْعُوكم إلى دارِه، وهى جَنَّاتُه التى أعَدَّها لأوليائه، تَسْلَموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمَنوا من فناءِ ما فيها مِن النعيمِ والكرامةِ التى أعَدَّها لَمَن دَخَلَها، وهو يَهْدِى مَن يشاءُ من خلقِه، فيُوَفِّقه لإصابةِ الطريقِ المستقيمِ، وهو الإسلامُ الذى جعَله، جلّ ثناؤُه، سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لَمَن رَكِبَه وسلَك فيه إلى جِنانِه وكرامتِه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن
قتادةَ، قال: اللَّهُ السلامُ، ودارُه الجنةُ.
فيه إلى جِنانِه وكرامتِه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن
قتادةَ، قال: اللَّهُ السلامُ، ودارُه الجنةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾. قال: اللهُ هو السلامُ، ودارُه الجنةُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن النبي ﷺ، قال: "قيل لي: لِتَنَمْ عينُك، ولْيَعْقِلْ قلبك، ولْتَسْمَعْ أُذُنك.
ى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن النبي ﷺ، قال: "قيل لي: لِتَنَمْ عينُك، ولْيَعْقِلْ قلبك، ولْتَسْمَعْ أُذُنك. فَنَامَتْ عَيْنى، وعقَل قلبي، وسَمِعَت أُذُنى، ثم قيل: سَيِّدٌ بنى دارًا، ثم صنَع مأدُبةً، ثم أرسَلَ داعيًا، فمَن أَجابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدارَ، وأكَلَ مِن المَأدبة، ورَضِيَ عنه السيدُ، ومَن لم يُجبِ الداعِيَ لم يَدْخُل الدارَ، ولم يأكُلْ مِن المأدُبةِ، ولم يَرْضَ عنه السَّيدُ، فالله السَّيِّدُ، والدارُ الإسلامُ، والمأدُبةُ الجنةُ، والدَّاعِى محمدٌ ﷺ".
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
ا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ذُكِرَ لنا أن في التوراةِ مكتوبًا: يا باغِيَ الخيرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشرِّ انْتَهِ.
حدَّثني الحسين بنُ سَلَمةَ بنِ أَبي كَبْشةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال:
ثنا عَبَّادُ بن راشدٍ، عن قتادةَ، قال: ثنى خُلَيدٌ العَصرِيُّ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما مِن يومٍ [طلعت فيه شمسُه] إلا وبجَنَبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُه خلقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلَين: يا أيُّها الناسُ هَلُمُّوا إلى ربِّكم، إن ما قَلَّ وكَفَى خيرٌ مما كَثُرَ وأَلْهَى".
َلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُه خلقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلَين: يا أيُّها الناسُ هَلُمُّوا إلى ربِّكم، إن ما قَلَّ وكَفَى خيرٌ مما كَثُرَ وأَلْهَى". قال: وأُنْزِلَ ذلك في القرآنِ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: خرَج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "إني رأيتُ في المنامِ كأن جِبريلَ عندَ رأسى، وميكائيلَ عندَ رِجْلَيَّ، يقول أحدهما لصاحبه: اضْرِبْ له مثلًا.
قال: خرَج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "إني رأيتُ في المنامِ كأن جِبريلَ عندَ رأسى، وميكائيلَ عندَ رِجْلَيَّ، يقول أحدهما لصاحبه: اضْرِبْ له مثلًا. فقال: اسمَعْ، سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِل عقَل قلبك؛ إنما مَثَلُك ومَثَلُ أُمَّتِك، كمثل مَلِكِ اتَّخَذَ دارًا، ثم بنَى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مأدبةً، ثم بعث رسولًا يَدْعُو الناسَ إلى طعامه، فمنهم مَن أجابَ الرسولَ، ومنهم من ترَكه، فاللَّهُ المَلِكُ، والدارُ الإسلام، والبيتُ الجنةُ، وأنتَ يا محمد الرسولُ، مَن أَجابَك دخل الإسلام، ومَن دخل الإسلامَ دخَل الجنةَ، ومن دخل الجنةَ أَكل منها ".
َذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾
ضرب [تبارك و] تعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء، مما يأكل الناس من زرع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام من أب وقَضْب وغير ذلك، (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا) أي: زينتها الفانية، (وَازَّيَّنَتْ) أي: حَسُنت بما خرج من رُباها من زهور نَضِرة مختلفة الأشكال والألوان، (وَظَنَّ أَهْلُهَا) الذين زرعوها وغرسوها (أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) أي: على جَذاذها وحصادها فبيناهم كذلك إذ جاءتها صاعقة، أو ريح بادرة، فأيبست أوراقها، وأتلفت ثمارها؛ ولهذا قال تعالى: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا) أي: يبسا بعد [تلك] الخضرة والنضارة، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ) أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.
ُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا) أي: يبسا بعد [تلك] الخضرة والنضارة، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ) أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.
وقال قتادة: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ) كأن لم تنعم.
وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن؛ ولهذا جاء في الحديث يؤتى بأنعم أهل الدنيا، فيُغْمَس في النار غَمْسَة ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ [هل مر بك نعيم قط؟] فيقول: لا. ويؤتى بأشد الناس عذابًا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟
سَة ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ [هل مر بك نعيم قط؟] فيقول: لا. ويؤتى بأشد الناس عذابًا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا"
وقال تعالى إخبارًا عن المهلكين: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٩٤، ٩٥].
ثم قال تعالى: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ) أي: نبين الحُجج والأدلة، (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعًا مع اغترارهم بها، وتمكنهم بمواعيدها وتَفَلّتها منهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها، وقد ضرب الله مثل الحياة الدنيا بنبات الأرض، في غير ما آية من كتابه العزيز، فقال في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب بذلك مثل الحياة
فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب بذلك مثل الحياة الدنيا كماء.
وقال ابن جرير: حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز، حدثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان -يعني: ابن
الحكم -يقرأ على المنبر: "وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها"، قال: قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس: هكذا يقرؤها ابن عباس.
ظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها"، قال: قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس: هكذا يقرؤها ابن عباس. فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبيّ بن كعب.
وهذه قراءة غريبة، وكأنها زيادة للتفسير.
وقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) الآية: لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة [عطبها و] زوالها، رغَّب في الجنة ودعا إليها، وسماها دار السلام أي: من الآفات، والنقائص والنكبات، فقال: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
قال أيوب عن أبي قِلابة عن النبي ﷺ قال: "قيل لي: لتنَمْ عينُك، وليعقلْ قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني.
ِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
قال أيوب عن أبي قِلابة عن النبي ﷺ قال: "قيل لي: لتنَمْ عينُك، وليعقلْ قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني. ثم قيل: سيّدٌ بَنَى دارًا، ثم صنع مأدبة، وأرسل داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد ﷺ.
وهذا حديث مرسل، وقد جاء متصلا من حديث الليث، عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ يومًا فقال: "إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا.
بن عبد الله، ﵁، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ يومًا فقال: "إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا. فقال: اسمع سَمعت أذنك، واعقل عَقَل قلبك، إنما مَثَلُك ومثل أمَّتك كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسُول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها" رواه ابن جرير.
وقال قتادة: حدثني خُلَيْد العَصَري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنَبَتَيْها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس،
هلموا إلى ربكم، إن ما قلَّ وكَفَى، خير مما كثر وألهى". قال: وأنزل ذلك في القرآن، في قوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.