القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: وإن هذه المدينة - مدينةَ سَدُومَ - لبطريقٍ واضحٍ مقيمٍ،
يراها المجتازُ بها، لا خَفَاءَ بها، ولا يَبْرَحُ مكانُها، فيَجْهَلَ ذو لُبٍّ أَمرَها، وغبَّ معصية الله والكفر به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، وحدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.
، عن ورقاء، وحدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال: لبطريقٍ مَعْلَمٍ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ واضحٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال: طريق، السبيلُ الطريقُ.
حدِّثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ مَعْلَمٍ.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ مَعْلَمٍ.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في صنيعِنا بقوم لوطٍ ما صنعنا بهم، لعلامةً ودَلالةً بينةً لمن آمن باللَّهِ، على انتقامِه مِن أهل الكفر به، وإنقاذه من عذابه - إذا نزل بقومٍ - أهل الإيمان به منهم.
كما حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. قال: هو كالرجل يقول لأهله: علامةُ ما بينى وبينكم أن أُرسل إليكم خاتمى، أو آيةً كذا وكذا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. قال: أما تَرَى الرجل يُرْسِلُ بخاتمه إلى أهله فىقولُ: هاتوا كذا، هاتوا كذا. فإذا رأوه علموا أنه حقٌّ.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾
يقول: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عَنان السماء ثم قلْبها، وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. وقد تقدم الكلام على السجيل في [سورة] هود بما فيه كفاية.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) أي: إن آثار هذه النقم ظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين.
ل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتأملين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العَبْدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ "اتقوا فِرَاسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ النبي ﷺ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)
رواه الترمذي، وابن جرير، من حديث عمرو بن قيس الملائي وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر بنور الله"
ثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر بنور الله"
وقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحِمْصِيّ، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المُؤَمَّل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن مُنَبِّه، عن طاوس بن كَيْسَان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله"
وقال أيضًا: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: "إن لله عبادًا
يعرفون الناس بالتوسم"
ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"
ثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"
وقوله: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة لبطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]
وقال مجاهد، والضحاك: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) قال: مُعَلَّم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.
وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ولكن ليس المعنى على ما قال هاهنا، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفًا بأنه لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في ص أيضًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وقوله في سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وهم الذين احترز منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وبين تعالى في مواضع آخر أَنّ الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
َ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)﴾ فبين في هذه الآية أن ظلمهم هو تكذيبهم رسولهم، وتطفيفهم في الكيل، وبخسهم الناس أشياءهم، وأن انتقامه منهم بعذاب يوم الظلة، وبين أنه عذاب يوم عظيم، والظلة: سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم نارًا فأحرقتهم. والعلم عند الله تعالى. وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير (لَيْكَةَ) في الشعراء، وص بلام مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف.
. وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير (لَيْكَةَ) في الشعراء، وص بلام مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف. وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (الأيكةِ) بالتعريف والهمز وكسر التاء، وقرأ كذلك جميع القراء في الحجر.
قال أبو عبيدة: (لَيْكة والأيكة) اسم مدينتهم كمكة وبكة، والأيكة في لغة العرب الغيضة، وهي جماعة الشجر، والجمع الأيك، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض
ورياض، ويروى أن شجرهم كان دومًا، وهو المقل، ومن إطلاق الأيكة على الغيضة قول النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإثمد
وقال الجوهري في صحاحه: ومن قرأ ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فهي الغيضة، ومن قرأ ﴿لَيْكَةَ﴾ فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة. وقال بعض العلماء: الأيكة الشجرة، والأيك هو الشجر الملتف.
•