مَ يومِ السبتِ إلا على الذين اخْتَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو أعظمُ الأيامِ؛ لأن اللهَ تعالى فرَغ مِن خلقِ الأشياءِ يومَ الجمعةِ، ثم سبَت يومَ السبتِ. وقال آخرون: بل أعظمُ الأيامِ يومُ الأحدِ؛ لأنه اليومُ الذى ابْتَدَأ اللهُ فيه فى
خلقِ الأشياءِ. [فاخْتارُوا تعظيمَه وترَكوا] تعظيمَ يومِ الجُمُعةِ الذى فرَض اللهُ عليهم تعظيمَه، واسْتَحَلُّوه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: اتَّبَعوه وترَكوا الجُمُعةَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾.
أَخْطَئوه، وأخَذوا يومَ السبتِ، فجعَله عليهم.
وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمدُ لَيَحْكُمُ بين هؤلاء المختلِفِين بينَهم في استحلالِ السبتِ وتحريمِه، عندَ مصيرِهم إليه يومَ القيامةِ، فيَقْضِي بينَهم في ذلك وفى غيرِه مما كانوا فيه يَخْتَلِفون فى الدنيا بالحقِّ، ويَفْصِلُ بالعدلِ، بمُجازاةِ المُصيبِ فيه جزاءَه، والمُخطئِ فيه منهم ما هو أهلُه.
ودية والنصرانية فقال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) فأما "الأمة"، فهو
الإمام الذي يقتدى به. والقانت: هو الخاشع المطيع. والحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن مسلم البَطِين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.
وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم.
وقال الأعمش، [عن الحكم] عن يحيى بن الجزار، عن أبي العُبَيدين؛ أنه جاء إلى عبد الله فقال: مَنْ نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رقَّ له، فقال: أخبرني عن الأمة فقال: الذي يعلم الناس الخير.
وقال الشعبي: حدثني فروَة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذًا كان أمة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله [ورسوله] أعلم.
حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله [ورسوله] أعلم. قال: الأمة الذي يعلم [الناس] الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله. وكذلك كان معاذ معلم الخير. وكان مطيعا لله ورسوله.
وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود؛ حرره ابن جرير.
وقال مجاهد: (أُمَّةً) أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضًا: كان إبراهيم أمة، أي: مؤمنا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار.
وقال قتادة: كان إمام هُدى، والقانت: المطيع لله.
وقوله: (شَاكِرًا لأنْعُمِهِ) أي: قائما بشكر نعم الله عليه، كما قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به.
وقوله: (اجْتَبَاهُ) أي: اختاره واصطفاه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١].
ثم قال: (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.
ْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١].
ثم قال: (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة، (وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
وقال مجاهد في قوله: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي: لسان صدق.
وقوله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء: (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) كما قال: في "الأنعام": ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]، ثم قال تعالى منكرا على اليهود.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحي إلى نبينا ﷺ الأمر باتباع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين.
وبين هذا أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ .. ﴾
الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والملة: الشريعة. والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف: وهو اعوجاج الرجلين، يقال: برجله حنف، أي: اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي:
والله لولا حنف برجله ...
باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف: وهو اعوجاج الرجلين، يقال: برجله حنف، أي: اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي:
والله لولا حنف برجله ... ما كان في فتيانكم من مثله
وقوله: ﴿حَنِيفا﴾ حال من المضاف إليه، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:
أو كان جزء ماله أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا
لأن المضاف هنا وهو ﴿مِلَّةَ﴾ كالجزء من المضاف إليه وهو ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ لأنه لو حذف لبقي المعنى تامًا؛ لأن قولنا: أن اتبع إبراهيم، كلام تام المعنى كما هو ظاهر، وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه.
•