القولُ في تأويلِ قوله عزَّ ذكرُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: الحمدُ للهِ الذي خصَّ برسالتِه محمدًا وانتخَبه لبلاغِها عنه، إلى خلقِه نبيًّا مرسلًا، وأنزَل عليه كتابًا قيِّمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا.
وعنى بقولِه عزَّ ذكرُه ﴿قَيِّمًا﴾: مُعتدِلًا مُستقيمًا.
وقيل: عنَى به، أنه قيِّمٌ على سائرِ الكتبِ، يُصدِّقُها ويَحفَظُها.
ذكرُ مَن قال: عنَى به: مُعتدِلًا مُستقيمًا
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. يقولُ: أَنزَل الكتابَ عدْلًا قيِّمًا، ولم يَجعَلْ له عِوَجًا.
فأخبَر ابن عباسٍ بقولِه هذا بيانِه معنى "القيِّمِ"، أن "القيِّمَ" مؤخَّرٌ بعدَ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
يِّمًا، ولم يَجعَلْ له عِوَجًا.
فأخبَر ابن عباسٍ بقولِه هذا بيانِه معنى "القيِّمِ"، أن "القيِّمَ" مؤخَّرٌ بعدَ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. ومعناه التقديمُ، بمعنى: أنزلَ الكتابَ
على عبدِه قيِّمًا.
حُدِّثْتُ عن محمدِ محمدِ بن يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿قَيِّمًا﴾. قال: مستقيمًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾. أي: معتدلًا لا اختلافَ فيه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.
اختلافَ فيه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. قال: أنزَل اللهُ الكتابَ قيمًا، ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾، قال: وفي بعضِ القراءةِ: (ولكنْ جَعَلَه قيِّمًا).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابن عباسٍ ومن قال بقولِه في ذلك؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
ةِ: (ولكنْ جَعَلَه قيِّمًا).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابن عباسٍ ومن قال بقولِه في ذلك؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. فأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه أنزَل الكتابَ الذي أنزَله إلى محمدٍ ﷺ قَيِّمًا مستقيمًا لا اختلافَ فيه ولا تفاوتَ، بل بعضُه يُصَدِّقُ بعضًا، وبعضُه يَشْهَدُ لبعضٍ، لا عِوَجَ فيه، ولا ميلَ عن الحقِّ.
وكُسِرتَ العينُ من قولِه: ﴿عِوَجًا﴾؛ لأن العرب كذلك تقولُ في كلِّ اعوِجاجٍ كان في دينٍ، أو فيما لا يُرَى شخصُه قائمًا فيُدْرَكَ عِيانًا منتصبًا، كالعِوَج في الدين، ولذلك كُسِرتِ العينُ في هذا الموضعِ، وكذلك العِوَجُ في الطريقِ؛ لأنه ليس بالشخْصِ المُنْتصِبِ.
ه قائمًا فيُدْرَكَ عِيانًا منتصبًا، كالعِوَج في الدين، ولذلك كُسِرتِ العينُ في هذا الموضعِ، وكذلك العِوَجُ في الطريقِ؛ لأنه ليس بالشخْصِ المُنْتصِبِ. فأما ما كان من عَوجٍ في الأشخاصِ المنتصبةِ قيامًا، فإن عينَها تُفْتَحُ، كالعَوَجِ في القناةِ والخشبةِ ونحوِها.
وكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى قولِه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: ولم يَجْعَلْ له مُلْتَبَسًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾: ولم يَجْعَلْ له ملتبَسًا.
ولا اختِلافَ أيضًا بينَ أهلِ العربيةِ في أنَّ معنى قولِه ﴿قَيِّمًا﴾ - وإن كان مؤخرًا - التقديمُ إلى جنبِ ﴿الْكِتَابَ﴾.
مًا﴾: ولم يَجْعَلْ له ملتبَسًا.
ولا اختِلافَ أيضًا بينَ أهلِ العربيةِ في أنَّ معنى قولِه ﴿قَيِّمًا﴾ - وإن كان مؤخرًا - التقديمُ إلى جنبِ ﴿الْكِتَابَ﴾.
وقيل: إنما افتتَح جلَّ ثناؤُه هذه السورةَ بذكر نفسِه بما هو له أهلٌ، وبالخبرِ عن إنزالِ الكتابِ على رسولِه؛ إخبارًا منه للمشركين من أهلِ مكةَ بأن محمدًا رسولُه ﷺ، وذلك أن المشركين كانوا سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ عن أشياء عَلَّمَهُمُوها اليهودُ من قريظةَ والنضيرِ، وأمَروهم بمسألتِهموها، وقالوا: إِنْ أخبرَكم بها فهو نبيٌّ، وإن
لم يُخْبِرُكم بها فهو مُتقوِّلٌ.
ﷺ عن أشياء عَلَّمَهُمُوها اليهودُ من قريظةَ والنضيرِ، وأمَروهم بمسألتِهموها، وقالوا: إِنْ أخبرَكم بها فهو نبيٌّ، وإن
لم يُخْبِرُكم بها فهو مُتقوِّلٌ. فوعَدهم رسولُ اللهِ ﷺ الجوابَ عنها موعدًا، فأبطَأ الوحيُ عنه بعضَ الإبطاءِ، وتأخَّر مجيءُ جبريلَ ﵇ عنه عن ميعادِه [القومَ، فتحدَّث] المشركون بأنه أخلَفهم موعده، وأنه مُتقوِّلٌ، فأنزَل اللهُ هذه السورةَ جوابًا عن مسائِلهم، وافتتَح أولَها بذكرِه، وتكذيبِ المشركين في أُحدوثَتِهم التي قد تحدَّثوها بينهم.
ذكرُ [الروايةِ بذلك]
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني شيخٌ من أهلِ مصرَ، قدِم منذُ بضعٍ وأربعين سنةً، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ -[قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أنا] - قال: بعَثت قريشٌ النضْرَ بنَ الحارثِ وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ إلى أحبارِ يهودَ بالمدينةِ، فقالوا لهم: سَلُوهم عن محمدٍ، وصِفُوا لهم صِفَتَه، وأخبِرُوهم بقولِه؛ فإنهم أهلُ الكتابِ الأولِ، وعندَهم علمُ ما ليس عندَنا من علمِ الأنبياءِ.
دينةِ، فقالوا لهم: سَلُوهم عن محمدٍ، وصِفُوا لهم صِفَتَه، وأخبِرُوهم بقولِه؛ فإنهم أهلُ الكتابِ الأولِ، وعندَهم علمُ ما ليس عندَنا من علمِ الأنبياءِ. فخرَجا حتى قدِما المدينةَ، فسألُوا أحبارَ يهودَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، ووصَفُوا لهم أمرَه وبعضَ قولِه، وقالا: إنكم أهلُ التوراةِ، وقد جِئْناكم لتُخْبِرُونا عن صاحبِنا هذا. قال: فقالت لهم أحبارُ يهودَ: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمُرُكم بهنَّ، فإن أخبرَكم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَلٌ، وإن لم يَفْعَلْ فالرجلُ متقوِّلٌ، فَرَوْا فيه رأيكم؛ سَلُوه عن فتيةٍ ذهَبُوا في الدهرِ الأولِ، ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديثٌ عجيبٌ، وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلَغ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، ما كان نبؤُه؟
وسَلُوه عن الرُّوحِ ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فإنه نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإن هو لم يُخْبِرْكم فهو رجلٌ متقوِّلٌ، فاصنَعُوا في أمرِه ما بَدا لكم.
كان نبؤُه؟
وسَلُوه عن الرُّوحِ ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فإنه نبيٌّ فاتَّبِعُوه، وإن هو لم يُخْبِرْكم فهو رجلٌ متقوِّلٌ، فاصنَعُوا في أمرِه ما بَدا لكم. فأقبَل النضْرُ وعقبةُ حتى قَدِما مكةَ على قريشٍ، فقالا: يا معشرَ قريشٍ، قد جئْناكم بفصلِ ما بينَكم وبينَ محمدٍ، قد أمرَنا أحبارُ يهودَ أن نسأَلَه عن أمورٍ. فأخبَرُوهم بها، فجاءُوا رسولَ ﷺ فقالوا: يا محمدُ، أخبِرْنا. فسألُوه عما أمَرُوهم به، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: "أُخْبِرُكم غدًا بما سأَلْتُم عنه". ولم يَسْتَثْنِ. فانصَرَفُوا عنه، فمكَث رسولُ اللهِ ﷺ خمسَ عشرة ليلةً لا يُحْدِثُ اللهُ إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتِيه جبريلُ ﵇، حتى أرجَف أهلُ مكةَ وقالوا: وعَدنا محمدٌ غدًا، واليومُ خمسَ عشرةَ قد أصبَحنا فيها لا يُخْبِرُنا بشيءٍ مما سأَلناه عنه. وحتى أحزَن رسولَ اللهِ ﷺ مُكْثُ الوحيِ عنه، وشَقَّ عليه ما يَتكلَّمُ به أهلُ مكةَ.
مُ خمسَ عشرةَ قد أصبَحنا فيها لا يُخْبِرُنا بشيءٍ مما سأَلناه عنه. وحتى أحزَن رسولَ اللهِ ﷺ مُكْثُ الوحيِ عنه، وشَقَّ عليه ما يَتكلَّمُ به أهلُ مكةَ. ثم جاءَه جبريلُ ﵇ من اللهِ ﷿ بسورةِ أصحابِ الكهفِ، فيها معاتبتُه إياه على حزنِه عليهم، وخبرُ ما سألُوه عنه من أمرِ الفتيةِ، والرجلِ الطوَّافِ، وقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. قال ابن إسحاقَ: فبلَغنى أن رسولَ اللهِ ﷺ افتتح السورةَ فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾. يعني محمدًا، إنك رسولى في تحقيقِ ما سألوا عنه من نبوَّتِه، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. أي: معتدلًا، لا اختلافَ فيه.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾
قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة؛ ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد، صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض؛ إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، بينا واضحا جليًا نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين؛ ولهذا قال: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زيغًا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيمًا؛ ولهذا قال: (قَيِّمًا) أي: مستقيمًا.
ين؛ ولهذا قال: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زيغًا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيمًا؛ ولهذا قال: (قَيِّمًا) أي: مستقيمًا.
(لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذره بأسًا شديدًا، عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الآخرة (مِنْ لَدُنْهُ) أي: من عند الله الذي لا يُعَذّب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.
(وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) أي: مثوبة عند الله جميلة
(مَاكِثِينَ فِيهِ) في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه (أَبَدًا) دائمًا لا زوال له ولا انقضاء.
(وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن
نعبد الملائكة، وهم بنات الله.