القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾.
يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الرسلِ للوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ يالوطُ، ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾؛ سَدُومَ، ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. يعني: عذابًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾، أي: عذابًا.
وقد بَيَّنَّا معنى الرجزِ وما فيه مِن أقوالِ أهلِ التأويلِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يأتُون من معصيةِ اللهِ، ويركَبون مِن الفاحشةِ.
َهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.
لما استنصر لوط ﵇، الله عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم ﵇، في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رأى أنه لا همَّة لهم إلى الطعام نَكِرَهم، وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة -وكانت حاضرة -فتعجبت من ذلك، كما تقدم بيانه في سورة "هود" و"الحجر". فلما جاءت إبراهيم بالبشرى، وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم يُنظَرون، لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا: (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ)، (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم.
ُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم. ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب حسان، فلما رآهم كذلك، (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) أي: اهتمَّ بأمرهم، إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. (قَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنزلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وذلك أن جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عَنَان السماء، ثم قلبها عليهم.
لْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وذلك أن جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عَنَان السماء، ثم قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل [الله] مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً) أي: واضحة، (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، كَمَا قَالَ ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].