القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين يَسْتعجِلون بوعيدِ اللهِ إيَّاهم إلا صيحةً واحدةً تأخُذُهم. وذلك نفخةُ الفَزَعِ عندَ قيامِ الساعةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [وجاءت الآثارُ].
ذكرُ مَن قال ذلك، وما فيه من الأثرِ
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، قالا: ثنا عوفُ بنُ أبي جميلةَ، عن أبي المغيرةِ القوَّاسِ، عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: لَيُنْفَخَنَّ في الصورِ والناسُ في طُرُقِهم وأسواقِهم ومجالسِهم، حتى إن الثوبَ لَيَكونُ بينَ الرجلَين يَتَساوَمان، فما يُرْسِلُه أحدُهما من يده حتى يُنْفَخَ في الصورِ، وحتى إن الرجلَ ليَغْدُو مِن بيتِه، فما يَرْجِعُ [إلى بيتِه] حتى يُنْفَخَ في الصُّورِ، وهي التي قال اللهُ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا
يُنْفَخَ في الصورِ، وحتى إن الرجلَ ليَغْدُو مِن بيتِه، فما يَرْجِعُ [إلى بيتِه] حتى يُنْفَخَ في الصُّورِ، وهي التي قال اللهُ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآية.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "تَهِيجُ الساعةُ بالناسِ؛ والرجلُ يَسْقِي ماشيتَه، والرجلُ يُصْلِحُ حوضَه، والرجلُ يُقِيمُ سِلْعتَه في سوقِه، والرجلُ يَخْفِضُ مِيزانَه ويَرْفَعُه، وتَهِيجُ بهم وهم كذلك، فلا يَسْتطيعون تَوْصِيةً ولا إلى أَهْلِهِم يَرْجِعون".
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾.
َوْصِيةً ولا إلى أَهْلِهِم يَرْجِعون".
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. قال: النفخةُ نفخةٌ واحدةٌ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ
ابن رافعٍ، عمَّن ذكرُه، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن الله لمَّا فَرَغَ مِن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ، خلَق الصُّورَ فأعْطاه إسرافيلَ، فهو واضِعُه على فِيهِ، شاخصٌ ببصرِه إلى العرشِ، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصورُ؟ قال: "قَرْنٌ". قال: وكيف هو؟ قال: "قَرْنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فيه ثلاثُ نَفَخَاتٍ؛ الأُولَى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانيةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ نَفْخَةُ القيامِ لربِّ العَالَمين، يأمرُ اللهُ إسرافيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولى، فيقولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَع.
هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، ثم يأمرُ اللهُ إسرافيلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فيقولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ. فَيَصْعَقُ أهلُ السماواتِ و الأَرضِ إِلا مَن شاءَ اللهُ، فإذا هم خامِدُون ثم يُمِيتُ مَن بَقِيَ، فإذا لم يَبْقَ إلا اللهُ الواحدُ الصَّمَدُ، بَدَّل الأرضَ غير الأرضِ والسماواتِ، فيَبْسُطُها ويَسْطَحُها، ويَمُدُّها مَدَّ الأديمِ العُكَاظِيِّ، لا تَرَى فيها عِوَجًا ولا أمْتًا، ثم يَزْجُرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرَةً، فإذا هُمْ في هذه المُبَدَّلَةِ في مِثْلِ مواضعهم من الأُولَى، ما كان في بَطْنِها كان في بَطْنِها، وما كان على ظَهْرِها كان على ظهْرِها".
واختلفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ: (وهم يَخْصِّمُون) بسكونِ "الخاءِ" وتشديدِ الصادِ، فجمَع بينَ الساكنَين، بمعنى: يَخْتَصِمون، ثم أدغَم التاءَ في الصادِ، فجعَلها صادًا مشددةً، وتركَ الخاءَ على سكونِها في الأصلِ.
ِ ذلك كذلك: كأنهم يتكلَّمون، أو يكونُ معناه عندَه: كان عندَ أنفسِهم يَخْصِمون مَن وعَدَهم مجئَ الساعةِ، وقيامَ القيامةِ، ويَغْلِبونه بالجَدَلِ في ذلك.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن هذه قراءاتٌ مشهوراتٌ معروفاتٌ في قرأةِ الأمصارِ، متقارباتُ المعانى، فبأيَّتهن قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يستطيعُ هؤلاء المشركون عندَ النفخِ في الصُّورِ أن يُوصُوا في أموالِهم أحدًا، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ولا يستطيعُ مَن كان منهم خارجًا عن أهلِه أن يَرجِعَ إليهم، لأنهم لا يُمْهَلون بذلك، ولكن يُعجَّلون بالهلاكِ.
وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾. أى: فيما في أيديهم، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾. أى: فيما في أيديهم، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: أُعْجِلوا عن ذلك.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ الآية. قال: هذا مبتدأُ يوم القيامة. وقرَأ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾، حتى بلغ: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾
يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ])؟ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]، قال الله تعالى: (مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهذه -والله أعلم-نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله تعالى إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا -وهي صفحة العنق-يتسمع الصوت من قبل السماء.
ى إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا -وهي صفحة العنق-يتسمع الصوت من قبل السماء. ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار، تحيط بهم من جوانبهم؛ ولهذا قال: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً) أي: على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك، (وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ).
وقد وردت هاهنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق، التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.