ُسْتَبِينَ﴾: التوراةَ.
ويعنى بـ ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: المُتَبَيَّنَ هُدَى ما فيه وتفصيلُه وأحكامُه.
وقولُه: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهدَيْنا موسى وهارونَ الطريقَ المستقيمَ، الذى لا اعْوِجاجَ فيه؛ وهو الإسلامُ، دينُ اللهِ الذى ابْتَعَث به أنبياءَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الإسلامَ.
وقولُه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وترَكْنا عليهما في الآخِرين بعدَهم الثناءَ الحسنَ عليهما.
وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾. يقولُ: وذلك أن يقالَ: سلامٌ على موسى وهارونَ.
وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: هكذا تَجْزِى أهلَ طاعتِنا، والعاملين بما يُرْضِينا عنهم،
﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ.
وقيل: إنه إدريسُ، حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان يُقالُ: إلياسُ هو إدريسُ. وقد ذكرنا ذلك فيما مضَى قبلُ.
وقولُه: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: لمُرْسَلٌ مِن المرسَلِين.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟ يقولُ: حينَ قال لقومِه مِن بني إسرائيلَ: أَلا تَتَّقون اللهَ أَيُّها القومُ، فتخافُونه، وتَحْذَرون عقوبتَه على عبادتِكم ربًّا غيرَ اللهِ، وإلهًا سِواه،
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. يقولُ: وتَدَعُون عبادةً أحسنِ مَن قيل له: خالقٌ.
وقد اخْتُلِف في معنى "بَعْلٍ"، فقال بعضُهم: معناه: أتَدْعُون ربًّا؟ وقالوا: هى لغةٌ لأهلِ اليمنِ، معروفةٌ فيهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني عُمارةُ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني عُمارةُ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: إلهًا.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عكرمةَ
في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ يقولُ: أَتَدْعُون ربًّا؟ وهى لغةُ اليمنِ، تقولُ: مَن بَعْلُ هذا الثَّوْرِ؟ أَى: مَن ربُّه؟
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: ربًّا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: هذه لغةٌ باليَمانيةِ، أتَدْعون ربًّا دونَ اللهِ؟.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟
لًا﴾؟ قال: هذه لغةٌ باليَمانيةِ، أتَدْعون ربًّا دونَ اللهِ؟.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: ربًّا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ، فسأَلوه عن هذه الآيةِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ قال: فسكَت ابنُ عباسٍ، فقال رجلٌ: أنا بعلُها. فقال ابنُ عباسٍ: كفانى هذا الجوابَ.
وقال آخرون: هو صنمٌ كان لهم يقالُ له: بَعْلٌ. وبه سُمِّيَت بَعْلَبَكُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ يعنى: صنمًا كان لهم يُسَمَّى بَعْلًا.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾؟
لهم يُسَمَّى بَعْلًا.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾؟ قال: بعلٌ صنمٌ لهم كانوا يَعْبُدون، كانوا ببَعْلَبكَّ -وهى وراءَ دمشقَ- وكان بها البعلُ الذى كانوا يَعْبُدون.
وقال آخرون: كان بَعْلٌ امرأةٌ كانوا يَعْبُدونها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: سمِعْتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: ما كان بَعْلٌ إلا امرأةٌ يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ.
وللبعلِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ يقولون لربِّ الشيءِ: هو بَعْلُه. يُقالُ: هذا بَعْلُ هذه الدابَّةِ. يَعنِى به ربَّها، ويقولون لزوجٍ المرأةِ: بعلُها.
ِ.
وللبعلِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ يقولون لربِّ الشيءِ: هو بَعْلُه. يُقالُ: هذا بَعْلُ هذه الدابَّةِ. يَعنِى به ربَّها، ويقولون لزوجٍ المرأةِ: بعلُها. ويقولون لما كان مِن الغُروسِ والزُّروعِ مُسْتَغْنِيًا بماءِ السماءِ، ولم يَكُنْ سِقْيًا: هو بعلٌ، وهو العَذْىُ.
وذُكِر أن اللهَ بعث إلى بني إسرائيلَ إلياسَ بعدَ مَهْلِكِ حِزْقِيلَ بنِ بوزى، وكان من قصتِه وقصةِ قومِه فيما بلَغَنا ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن
محمدِ بنِ إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: إن اللهَ قبَض حِزْقِيلَ، وعظُمَت في بني إسرائيلَ الأحْداثُ، ونَسُوا ما كان مِن عهدِ اللهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ، وعبَدوها دونَ اللهِ، فبعث اللهُ إليهم إلياسَ بنَ تسبى بنِ فِنْحاصَ بنِ العَيْزارِ بنِ هارونَ بنِ عِمْرانَ نبيًّا. وإنما كانتِ الأنبياءُ من بنى إسرائيلَ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا من التوراةِ، فكان إلياسُ مع مَلِكٍ مِن ملوكِ بني إسرائيلَ، يقالُ له: أحابُ.
نتِ الأنبياءُ من بنى إسرائيلَ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا من التوراةِ، فكان إلياسُ مع مَلِكٍ مِن ملوكِ بني إسرائيلَ، يقالُ له: أحابُ. كان اسمُ امرأتِه أربلَ، وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، وكان إلياس يُقِيمُ له أمرَه، وكان سائرُ بني إسرائيلَ قد اتَّخَذوا صنمًا يَعْبُدونه مِن دونِ اللهِ، يقالُ له: بَعْلٌ. قال ابنُ إسحاق: وقد سمِعْتُ بعض أهلُ العلم يقولُ: ما كان بعلٌ إلا امرأةً يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ، يقولُ الله لمحمدٍ: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
لُ الله لمحمدٍ: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فجعَل إلياسُ يَدْعوهم إلى اللهِ، وجعَلوا لا يَسْمَعون منه شيئًا إلا ما كان مِن ذلك الملك، والملوكُ متفرقةٌ بالشام، كلُّ ملِكٍ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ الذي كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَراه على هُدًى مِن بين أصحابِه يومًا: يا إلياسُ، واللهِ ما أرَى ما تَدْعُو إليه إلا باطلًا، واللهِ ما أَرَى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكِ بني إسرائيلَ قد عبَدوا الأوثانَ مِن دونِ اللهِ - إلا على مثل ما نحن عليه، يَأْكُلون ويَشْرَبون ويَنْعَمون مُمَلَّكِين، ما يَنْقُصُ دنياهم أمرُهم الذى تَزْعُمُ أنه باطلٌ، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ.
لا على مثل ما نحن عليه، يَأْكُلون ويَشْرَبون ويَنْعَمون مُمَلَّكِين، ما يَنْقُصُ دنياهم أمرُهم الذى تَزْعُمُ أنه باطلٌ، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ. فيَزْعُمون، واللهُ أَعْلَمُ، أن إلياسَ اسْتَرْجَع، وقام شعرُ رأسِه وجلده، ثم رفَضه وخرَج عنه، ففعل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِه، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما يَصْنَعون، فقال إلياسُ: اللهم إنَّ بني إسرائيلَ قد أبَوْا إلا الكفرَ بك والعبادةَ لغيرِك،
فغَيِّرْ ما بهم مِن نعمتِك. أو كما قال.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: فذُكِر لى أنه أُوحِى إليه: إنا قد جعَلْنا أمرَ أرزاقِهم بيدِك وإليك، حتى تكونَ أنت الذي تَأْذَنُ لهم في ذلك. فقال إلياسُ: اللهم فأَمْسِكْ عنهم المطرَ. فحُبِس عنهم ثلاثَ سنينَ، حتى هلَكَت الماشيةُ والدوابُّ والهَوامُّ والشجرُ، وجَهد الناسُ جَهْدًا شديدًا.
لك. فقال إلياسُ: اللهم فأَمْسِكْ عنهم المطرَ. فحُبِس عنهم ثلاثَ سنينَ، حتى هلَكَت الماشيةُ والدوابُّ والهَوامُّ والشجرُ، وجَهد الناسُ جَهْدًا شديدًا. وكان إلياسُ فيما يَذْكُرون حينَ دعا بذلك على بني إسرائيلَ قد اسْتَخْفَى؛ شَفَقًا على نفسِه منهم، وكان حيثما كان وُضِع له رِزقٌ، وكانوا إذا وجَدوا ريحَ الخبزِ في دارٍ أو بيتٍ، قالوا: لقد دخَل إلياسُ هذا المكانَ. فطلَبوه، ولقِى منهم أهلُ ذلك المنزلِ شرًّا. ثم إنه أوَى ليلةً إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ لها ابنٌ يقالُ له: الْيَسَعُ بنُ أخطوبَ.
لياسُ هذا المكانَ. فطلَبوه، ولقِى منهم أهلُ ذلك المنزلِ شرًّا. ثم إنه أوَى ليلةً إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ لها ابنٌ يقالُ له: الْيَسَعُ بنُ أخطوبَ. به ضُرٌّ، فَآوَته وأخْفَت أمرَه، فدعا إلياسُ لابنِها، فعُوفِى من الضُّرِّ الذى كان به، واتَّبَعَ الْيَسَعُ إلياسَ، فآمَن به وصدَّقه ولزِمه، فكان يذهبُ معه حيثما ذهَب، وكان إلياسُ قد أسَنَّ وكبرِ، وكان الْيَسَعُ غلامًا شابًّا، فيَزْعُمون، واللهُ أعلمُ، أن اللهَ أوْحَى إلى إلياسَ: إنك قد أهْلَكْتَ كثيرًا مِن الخلقِ ممن لم يَعْصِ، سوى بنى إسرائيلَ [ممن لم أكُنْ أريدُ هلاكَه بخطايا بني إسرائيلَ] من البهائمِ والدوابِّ والطيرِ والهوامِّ والشجرِ، بحبسِ المطرِ عن بني إسرائيلَ، فيَزْعُمون، واللهُ أعلمُ، أن إلياسَ قال: أى ربِّ، دَعْنى أكُنْ أنا الذى أدْعُو لهم به، وأكونُ أنا الذى آتِيهم بالفرجِ مما هم فيه من البلاءِ الذي أصابهم، لعلهم أن يَرْجِعوا ويَنْزِعوا عما هم عليه مِن عبادةِ غيرِك. قيل له: نعم.
ُو لهم به، وأكونُ أنا الذى آتِيهم بالفرجِ مما هم فيه من البلاءِ الذي أصابهم، لعلهم أن يَرْجِعوا ويَنْزِعوا عما هم عليه مِن عبادةِ غيرِك. قيل له: نعم. فجاء إلياسُ إلى بنى إسرائيلَ، فقال لهم: إنكم قد هلَكْتُم جَهْدًا، وهلَكتِ البهائمُ والدوابُّ والطيرُ والهوامُّ
والشجرُ بخطاياكم، وإنكم على باطلٍ وغرورٍ -أو كما قال لهم- فإن كنتم تُحِبُّون أن تَعْلَموا ذلك، وتَعْلَموا أن اللهَ عليكم ساخطٌ فيما أنتم عليه، وأن الذى أدْعُوكم إليه الحقُّ، فاخرُجوا بأصنامِكم هذه التي تَعْبُدون وتَزْعُمون أنها خيرٌ مما أَدْعُوكم إليه، فإن اسْتَجابَت لكم، فذلك كما تقولون، وإن هى لم تَفْعَلْ علِمْتُم أنكم على باطلٍ، فنزَعْتم، ودعَوْتُ اللهَ، ففرَّج عنكم ما أنتم فيه من البلاءِ. قالوا: أَنْصَفْتَ.
َت لكم، فذلك كما تقولون، وإن هى لم تَفْعَلْ علِمْتُم أنكم على باطلٍ، فنزَعْتم، ودعَوْتُ اللهَ، ففرَّج عنكم ما أنتم فيه من البلاءِ. قالوا: أَنْصَفْتَ. فخرَجوا بأوثانِهم، وما يَتَقَرَّبون به إلى اللهِ مِن أحداثِهم التي لا يَرْضَى، فدعَوْها، فلم تَسْتَجِبْ لهم، ولم تُفَرِّجْ عنهم ما كانوا فيه ما كانوا فيه من البلاءِ، حتى عرَفوا ما هم فيه مِن الضلالةِ والباطلِ، ثم قالوا لإلياسَ: يا إلياسُ، إنا قد هلَكْنا، فادْعُ اللهَ لنا. فدعا لهم إلياسُ بالفرجِ مما هم فيه، وأن يُسْقَوْا، فخَرجَت سَحابةٌ مثلُ التَّرْسِ بإِذنِ اللهِ، على ظهرِ البحرِ، وهم يَنْظُرون، ثم تَرامى إليه السَّحابُ، ثم أَدْجَنت.
الفرجِ مما هم فيه، وأن يُسْقَوْا، فخَرجَت سَحابةٌ مثلُ التَّرْسِ بإِذنِ اللهِ، على ظهرِ البحرِ، وهم يَنْظُرون، ثم تَرامى إليه السَّحابُ، ثم أَدْجَنت. ثم أَرْسَل اللهُ المطرَ، فأغاثهم، فحَيِيَت بلادُهم، وفرَّج عنهم ما كانوا فيه من البلاءِ، فلم يَنْزِعوا، ولم يَرْجِعوا، وأقاموا على أخْبَثِ ما كانوا عليه، فلما رأَى ذلك إلياسُ من كفرِهم، دعا ربَّه أن يَقْبِضَه إليه، فيُرِيحَه منهم، فقيل له - فيما يَزْعُمون -: انْظُرْ يومَ كذا وكذا، فاخْرُجْ فيه إلى بلدِ كذا وكذا، فماذا جاءك من شيءٍ، فارْكَبه ولا تَهَبْه. فخرَج إلياسُ، وخرَج معه اليسعُ بنُ أخطوبَ، حتى إذا كان في البلدِ الذي ذُكِر له، في المكانِ الذي أُمِر به، أقْبَل إليه فرسٌ مِن نارٍ، حتى وقَف بينَ يديه، فوثَب عليه، فانْطَلَق به، فناداه الْيَسَعُ: يا إلياسُ، يا إلياسُ، ما تَأْمُرُنى؟
لمكانِ الذي أُمِر به، أقْبَل إليه فرسٌ مِن نارٍ، حتى وقَف بينَ يديه، فوثَب عليه، فانْطَلَق به، فناداه الْيَسَعُ: يا إلياسُ، يا إلياسُ، ما تَأْمُرُنى؟ فكان آخرَ عهدِهم به، فكساه اللهُ الريشَ، وأَلْبَسَه النورَ، وقطَع عنه لذةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وطار في الملائكةِ، فكان إنْسِيًّا مَلَكيًّا، أرضيًّا سماويًّا.
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (اللهُ ربُّكم وربُّ آبائِكم الأولين). رفعًا على الاسِتئنافِ، وأن الخبرَ قد تَناهَى عند قولِه: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ نصبًا، على الردِّ على قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.
قرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ نصبًا، على الردِّ على قولِه: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾. على أن ذلك كلَّه كلامٌ واحدٌ.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى، مع استفاضةِ القراءةِ بهما فى القرأةِ، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ذلك معبودُكم أيُّها الناسُ، الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ، ربُّكم الذي خلَقكم، وربُّ آبائِكم الماضِين قبلَكم، لا الصنمُ الذي لا يَخْلُقُ شيئًا، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ.
وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فكذَّب إلياسَ قومُه، ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. يقولُ: فإنهم لَمُحْضرون فى عذابِ اللهِ، فيَشْهَدونه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،، عن قتادة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: في عذابِ اللهِ.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
ه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،، عن قتادة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: في عذابِ اللهِ.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: فإنهم يُحْضَرون فى عذابِ اللهِ، إلا عبادَ اللهِ الذين أخْلَصهم مِن العذابِ،
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وأَبْقَيْنا عليه الثناءَ الحسنَ فى الآخِرِين مِن الأممِ بعدَه.
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾
يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقهم من الإساءة العظيمة، من قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم.
ء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم. ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨].
وقال هاهنا: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: في الأقوال والأفعال.
(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ) أي: أبقينا لها من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا، ثم فسره بقوله: (سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)