القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾.
وفي هذا الكلامِ متروكٌ استُغنى بدلالة ما ذُكر عما تُرِك، وهو: فيقالُ: احشُروا الذين ظلَموا. ومعنى ذلك: اجمَعوا الذين كفروا بالله في الدنيا، وعصَوه وأزواجَهم -وهم أشياعُهم، على ما كانوا عليه من الكفرِ باللهِ- وما كانوا يَعبُدون من دونِ اللهِ من الآلهةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. يقولُ: ضُرَباءَهم.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.
ُمْ﴾. يقولُ: ضُرَباءَهم.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. يقولُ: نُظَراءَهم.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. يعنى: أتباعَهم ومَن أشبَههم من الظَّلَمةِ.
حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن داودَ، قال: سألتُ أبا العاليةِ عن قولِ اللهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فقال: الذين ظلموا وأشياعَهم.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبى العالية، أنه قال في هذه الآية: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.
عَهم.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبى العالية، أنه قال في هذه الآية: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أشياعَهم.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داود، عن أبي العالية مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: أى وأشياعَهم الكفارَ مع الكفارِ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: وأشباهَهم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿احْشُرُوا
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.
َأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: وأشباهَهم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿احْشُرُوا
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أزواجَهم فى الأعمالِ، وقرأَ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]. فالسابقون زوجٌ، وأصحابُ الميمنة زوجٌ، وأصحابُ الشمال زوجٌ. قال: كلُّ مَن كان مِن هذا حشَره الله معه. وقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]. قال: زُوِّجت على الأعمال، لكلِّ واحدٍ من هؤلاء زوجٌ، زوّج اللهُ بعض هؤلاء بعضًا، زوَّج أصحاب اليمين أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة أصحاب المشأمةِ، والسابقين السابقين. قال: فهذا قولُه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.
زوَّج أصحاب اليمين أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة أصحاب المشأمةِ، والسابقين السابقين. قال: فهذا قولُه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أزواجُ الأعمال التي زوَّجَهن الله.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: أمثالَهم.
وقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: احشروا هؤلاء المشركين وآلهتهم التى كانوا يعبدونها مِن دونِ اللهِ، فوجِّهوهم إلى طريق الجحيمِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: الأصنامَ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.
نِ اللَّهِ﴾. قال: الأصنامَ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: وجِّهوهم، وقيل: إن الجحيم البابُ الرابع من أبواب النار.
﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾
يخبر تعالى عن قِيلِ الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة نَدمُوا كلَّ الندم حيث لا ينفعهم الندم، (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ). فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ). وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تُميزَ الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال النعمان بن بشير ﵁، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم.
ن في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال النعمان بن بشير ﵁، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد
بن جُبَيْر، وعِكْرِمة ومجاهد، والسُّدِّي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم [وغيرهم].
وقال سفيان الثوري، عن سمَاك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب ﵁ (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال إخوانهم:.
وقال شريك، عن سماك، عن النعمان قال: سمعت عمر يقول (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال: أشباههم قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزّنا مع أصحاب الزّنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خُصَيْف، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: (أَزْوَاجَهُمْ): نساءهم. وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير، عنه: (أَزْوَاجَهُمْ): قُرَناءهم.
"وما كانوا يعبدون من دون الله" أي: من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم.
ه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير، عنه: (أَزْوَاجَهُمْ): قُرَناءهم.
"وما كانوا يعبدون من دون الله" أي: من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم. وقوله: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) أي: قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك، عن ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا النُّفَيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت ليثا يُحدّث عن بشر، عن أنس بن مالك [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفًا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا"، ثم قرأ: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ). ورواه الترمذي، من حديث ليث بن أبي سليم.
ا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا"، ثم قرأ: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ). ورواه الترمذي، من حديث ليث بن أبي سليم. ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعا.
قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾.
المراد بالذين ظلموا الكفار كما يدل عليه قوله بعده: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وقد قدمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه فسر الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمهور أهل العلم منهم: عمر، وابن عباس على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وهكذا.
ير ذلك من الآيات.
فقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم. وبذلك تعلم أن قول من قال: المراد بأزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم خلاف الصواب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعًا النار، كما أوضح ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ وقد بين تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من الأنبياء، والملائكة، والصالحين كعيسى وعزير خارجون عن هذا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا
عَذَابَهُ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ من الهدى العام، أي: دلوهم وأرشدوهم إلى صراط الجحيم، أي: طريق النار ليسلكوها إليها. والضمير في قوله تعالى: (فاهدوهم) راجع إلى الثلاثة؛ أعني الذين ظلموا، وأزواجهم، وما كانوا يعبدون من دون الله.
وقد دلت هذه الآية الكريمة أن الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر، ونظير ذلك في القرآن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ ولذلك كان للشر أئمة يؤتم بهم فيه كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الآية.
•