القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن مِن أشياعِ نوحٍ على مِنْهاجِه وملَّتِه واللهِ، لإبراهيمَ خليلَ الرحمنِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: مِن أَهلِ دينه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّة، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾.
ٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّة، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على مِنْهاجِ نوحٍ وسنَّتِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على مِنْهاجه وسنَّتِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على دينه وملَّتِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: مِن أهل دينِه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى ذلك: وإن مِن شيعةِ محمدٍ لإبراهيمَ.
وقال: ذلك مثلُ قولِه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١].
زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى ذلك: وإن مِن شيعةِ محمدٍ لإبراهيمَ.
وقال: ذلك مثلُ قولِه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١]. بمعنى: أَنَّا حَمَلْنا ذريةَ مَن هم منه، فجعَلَها ذريةً لهم، وقد سبَقَتهم.
وقولُه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذ جاء إبراهيم ربَّه بقلبٍ سليمٍ من الشركِ، مُخْلِصٍ له التوحيدَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، واللهِ، مِن الشركِ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
هُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، واللهِ، مِن الشركِ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٍ من الشركِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
قال: لا شكَّ فيه.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: يا بَنِىَّ لا تكونوا لَعَّانين، ألم تَرَوْا إلى إبراهيمَ لم يَلْعَنْ شيئًا قطُّ، فقال اللهُ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. [يقولُ: حين قال -يعنى: إبراهيمُ- لأبيه وقومِه: أيَّ شيءٍ تَعْبُدون؟
وقوله]:
﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. يقولُ: أَكَذِبًا معبودًا غيرَ اللَّهِ تُريدون؟
ا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: إذا لقِيتُموه، وقد عبَدْتُم غيرَه؟
وقولُه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. ذُكر أن قومَه كانوا أهلَ تَنْجيمٍ، فرأَى نجمًا قد طلَع، فعصَب رأسَه.
وقال: إنى مطعونٌ، وكان قومُه يَهْرُبون مِن الطاعونِ، فأراد أن يَتْرُكوه في بيتِ آلهتِهم، ويَخْرُجوا عنه؛ ليُخالِفَهم إليها فيَكْسِرَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: قالوا وهو في بيتِ آلهتهم: اخرُجْ. فقال: إني مَطْعونٌ. فترَكوه مَخافةَ الطاعونِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: رأَى نجمًا طلَع.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه رأَى نَجمًا طلَع فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: كايَد نبيُّ الله عن دينه، فقال: إني سقيمٌ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: قالوا لإبراهيمَ، وهو في بيتِ آلهتِهم: اخرُجْ معنا. فقال لهم: إنى مطعونٌ. فترَكوه مَخافةَ أن يُعْدِيَهم.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، عن أبيه في قول اللهِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: أَرْسَل إليه ملِكُهم، فقال: إن غدًا عيدَنا، فاحضُرْ معنا.
عن أبيه في قول اللهِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. قال: أَرْسَل إليه ملِكُهم، فقال: إن غدًا عيدَنا، فاحضُرْ معنا. قال: فنظَر إلى نَجمٍ، فقال: إن ذلك النجمَ لم يَطْلُعْ قطُّ إلا طلَع بسُقمٍ لى. فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: يقولُ اللَّهُ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. وقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. أى: طَعِينٌ، أو لسُقْمٍ كانوا يَهْرُبون منه إذا سمِعوا به، وإنما يُرِيدُ إبراهيمُ أن
يَخْرُجوا عنه، ليَبْلُغَ من أصنامِهم الذي يُرِيدُ.
واخْتُلف فى وجهِ قيلِ إبراهيم لقومه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
نه إذا سمِعوا به، وإنما يُرِيدُ إبراهيمُ أن
يَخْرُجوا عنه، ليَبْلُغَ من أصنامِهم الذي يُرِيدُ.
واخْتُلف فى وجهِ قيلِ إبراهيم لقومه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وهو صحيحٌ، فرُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "لم يَكْذِبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كذباتٍ".
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثني هشامٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لم يَكذِبْ إبراهيمُ غيرَ ثلاثِ كذباتٍ؛ ثِنتَيْن في ذاتِ الله؛ قولِه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وقوله فى سارَةً: هى أختى".
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبى، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني أبو الزِّناد، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: لم يَكذِبْ إبراهيمُ فى شيءٍ قطُّ إلا فى ثلاثٍ". ثم ذكر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن المسيَّب بنِ رافعٍ، عن أبى هريرةَ، قال: ما كذَب إبراهيمُ غيرَ ثلاثِ كذباتٍ؛ قولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
دَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن المسيَّب بنِ رافعٍ، عن أبى هريرةَ، قال: ما كذَب إبراهيمُ غيرَ ثلاثِ كذباتٍ؛ قولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وإنما قاله موعظةً، وقولُه حينَ سأَله
الملِكُ، فقال: أختى. لسارَةَ، وكانت امرأتَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: إن إبراهيمَ ما كذَب إلا ثلاثَ كذباتٍ؛ ثِنْتان في اللهِ، وواحدةٌ في ذاتِ نفسِه، فأما الثنتان فقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقصتُه في سارَةَ، وذكَر قصتَها وقصةَ الملِكِ.
وقال آخرون: إن قولَه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. كلمةٌ فيها مِعْراضٌ، ومعناها أن كلَّ مَن كان في عُقْبةِ الموتِ فهو سقيمٌ، وإن لم يَكُنْ به حينَ قالها سُقْمٌ ظاهرٌ.
والخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بخلافِ هذا القول وقولُ رسولِ اللهِ ﷺ هو الحقُّ دونَ غيرِه.
قولُه: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾.
ينَ قالها سُقْمٌ ظاهرٌ.
والخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بخلافِ هذا القول وقولُ رسولِ اللهِ ﷺ هو الحقُّ دونَ غيرِه.
قولُه: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. يقولُ: فتولَّوْا عن إبراهيمَ مُدْبِرِين عنه؛ خوفًا من أن يُعدِيَهم السُّقْمُ الذى ذكَر أنه به.
كما حُدِّثْتُ عن يحيى بنِ زكريا عن بعضِ أصحابِه، عن حكيمِ بنِ جبيرٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ]، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. يقولُ: مطعونٌ.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. قال سعيدٌ: إن كان الفرارُ مِن الطاعونِ لَقديمًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَوَلَّوْا﴾: فنكَصوا عنه مُدبِرِين مُنْطَلِقين.
وقولُه: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾.
مًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَوَلَّوْا﴾: فنكَصوا عنه مُدبِرِين مُنْطَلِقين.
وقولُه: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فمال إلى آلهتهم] بعدَما خرَجوا عنه وأدْبَروا.
وأرَى أن أصلَ ذلك مِن قولِهم: راغ فلانٌ عن فلانٍ، إذا حاد عنه،، فيكونُ معناه إذا كان كذلك: فراغ عن قومِه، والخروجِ معهم إلى آلهتِهم، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ:
حينَ لا يَنْفَعُ الرَّواغُ ولا يَنْـ … ــــفَعُ إلا المصادقُ النِّحْريرُ
يعنى بقولِه: لا يَنْفَعُ الرَّواغُ: الحِيادُ. أما أهلُ التأويلِ فإنهم فسَّروه بمعنى: فمال.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾: أي: فمال إلى آلهتهم. قال: ذهَب.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾. قال: ذهَب.
وقوله: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾.
حمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾. قال: ذهَب.
وقوله: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. هذا خبرٌ مِنَ اللَّهِ عن قيلِ إبراهيمَ للآلهةِ، وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغْنِى بدَلالة الكلامِ عليه مِن ذكرِه، وهو: فقرَّب إليها الطعامَ، فلم يَرَها تَأْكُلُ، فقال لها: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. فلمَّا لم يَرَها تَأْكُلُ
قال لها: ما لكم لا تأْكُلون؟ فلم يرَها تَنْطِقُ، فقال لها: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ مُسْتَهْزِئًا بها. وكذلك ذكَر أنه فعَل بها، وقد ذكَرْنَا الخبرَ بذلك فيما مضَى قبلُ.
وقال قتادةُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؛ يَسْتَنْطِقُهم: ﴿فَقَالَ أَلَا تَنْطِقُونَ﴾؟
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ) يقول: من أهل دينه. وقال مجاهد: على منهاجه وسنته.
(إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) قال ابن عباس: يعني شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، عن عَوْف: قلت لمحمد بن سِيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وقال الحسن: سليم من الشرك، وقال عروة: لا يكون لعانا.
وقوله: (إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ): أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ.
وقوله: (إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ): أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ. فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قال قتادة: [يعني]: ما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم غيره؟!