بناحِلِيكَ أباهُمُ … حتى تُرَدَّ إِلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ
أي: تُسَاقُ دَفْعًا وسَحْبًا.
وقولُه: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. يعنى: إلى وَسَطِ الجحيمِ. ومعنى الكلامِ: يُقالُ يومَ القيامةِ: خذُوا هذا الأثيمَ، فسُوقوه دفعًا في ظهرِه، وسحبًا إلى وسَطِ النارِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: خُذُوه فادفَعوه.
وفى قولِه: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ لغتان؛ كسرُ التاءِ، [وهى قراءةُ عامةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ، وبعضِ أهلِ المدينةِ، ورفعُ التاءِ]، وهى قراءةُ بعضِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضِ أهلِ مكةَ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا أنَّهما لغتان معروفتان في العربِ، يُقالُ منه: عتَل يَعْتِلُ ويَعْتُلُ.
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما يعذب به [عباده] الكافرين الجاحدين للقائه: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ)
والأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر. وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام بن الحارث، أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ) فقال: طعام اليتيم فقال أبو الدرداء قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. أي: ليس له طعام غيرها.
قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم.
م اليتيم فقال أبو الدرداء قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. أي: ليس له طعام غيرها.
قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. وقد تقدم نحوه مرفوعا.
وقوله: (كَالْمُهْلِ) قالوا: كعكر الزيت (تَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) أي: من حرارتها ورداءتها.
وقوله: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ) أي: [خذوا] الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية (خُذُوهُ) ابتدره سبعون ألفًا منهم.
(فَاعْتِلُوهُ) أي: سوقوه سحبا ودفعا في ظهره.
قال مجاهد: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ) أي: خذوه فادفعوه.
وقال الفرزدق:
لَيسَ الكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أَبَاهُمُ … حَتَّى تُرَدَّ إلى عَطيَّة تُعْتَلُ
(إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) أي: وسطها.
(ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) كقوله ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩، ٢٠].
رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) كقوله ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩، ٢٠].
وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد، تفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه، حتى تمرق من كعبيه -أعاذنا الله تعالى من ذلك.
وقوله: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ.
وقال الضحاك عن ابن عباس: أي لست بعزيز ولا كريم.
وقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أسباط، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل -لعنه الله-فقال: "إن الله تعالى أمرني أن أقول لك: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥] قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء. ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم.
لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥] قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء. ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ).
وقوله: (إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ)، كقوله ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٥]،
؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ)
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾.
وقد تركنا إحالات متعددة بينا فيها بعض آيات سورة الدخان هذه خشية الإِطالة بكثرة الإِحالة.
•