القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: وفي ثمودَ أيضًا لهم عبرةٌ ومُتَّعَظٌ، إذ قال لهم ربُّهم: [﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾. يعني: إلى [وقتِ فناءِ آجالِكم].
وقولُه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾]. يقولُ: فتكَبَّروا عن أمرِ ربِّهم، وعَلَوا استكبارًا عن طاعةِ اللَّهِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال: عَلَوْا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال العاتي العاصي التاركُ لأمْرِ اللَّهِ ﷿.
وقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.
ٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾. قال العاتي العاصي التاركُ لأمْرِ اللَّهِ ﷿.
وقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأخذَتهم صاعقةُ
العذابِ فجأةً.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: وهم ينتَظِرون، وذلك أن ثمودَ وُعِدَتِ العذابَ قبلَ نزولِه بهم بثلاثةِ أيامٍ، وجُعِل لِنُزولِه عليهم علاماتٌ في تلك الثلاثةِ، فظهَرتِ العلاماتُ التي جُعِلت لهم، الدالةُ على نُزولِها في تلك الأيامِ، فأصبَحوا في اليومِ الرابعِ مُوقنين بأنَّ العذابَ بهم نازلٌ، يَنْتَظِرون حلولَه بهم.
وقرَأت قرَأةُ الأمصارِ خلا الكسائيِّ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ بالألفِ. ورُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنَّه قرَأ ذلك: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ).
َتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) أي: فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين، استكبارا
وعنادا.
وقال مجاهد: تعزز بأصحابه. وقال قتادة: غلب عدُو الله على قومه. وقال ابن زيد: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) أي: بجموعه التي معه، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
والمعنى الأول قوي كقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] أي: معرض عن الحق مستكبر، (وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا، أو مجنونا.
قال الله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ) أي: ألقيناهم في اليم، وهو البحر، (وَهُوَ مُلِيمٌ) أي: وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند.
ثم قال: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) أي: المفسدة التي لا تنتج شيئا.
هُوَ مُلِيمٌ) أي: وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند.
ثم قال: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) أي: المفسدة التي لا تنتج شيئا. قاله الضحاك، وقتادة، وغيرهما.
ولهذا قال: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ) أي: مما تفسده الريح (إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) أي: كالشيء الهالك البالي.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله -يعني: ابن عياش -القتباني، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصَّدَفِي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "الريح مسخرة من الثانية -يعني من الأرض الثانية-فلما أراد الله أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، قال: أي رَبَ، أرسل عليهم [من] الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار: لا إذًا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل [عليهم] بقدر خاتم.
ل عليهم ريحا تهلك عادا، قال: أي رَبَ، أرسل عليهم [من] الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار: لا إذًا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل [عليهم] بقدر خاتم. فهي التي يقول الله في كتابه: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)
هذا الحديث رفعه منكر، والأقرب أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم.
قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله: (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) قالوا: هي الجنوب.
زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم.
قال سعيد بن المسيب وغيره في قوله: (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) قالوا: هي الجنوب. وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدبور".
(وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ) قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم.
والظاهر أن هذه كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧].
وهكذا قال هاهنا: (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ)، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بُكْرَة النهار (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ) أي: من هَرَبٍ ولا نهوض، (وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ) أي: ولا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه.
لرابع بُكْرَة النهار (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ) أي: من هَرَبٍ ولا نهوض، (وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ) أي: ولا يقدرون على أن ينتصروا مما هم فيه.
وقوله: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ) أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة، من سور متعددة.