القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: يقالُ لهؤلاء المتَّقين في الجناتِ: كُلوا أيُّها القومُ مما آتاكم ربُّكم، واشرَبوا من شرابِها هنيئًا، لا تخافون مما تأكُلون أو تشرَبون فيها أذًى ولا غائلةً، بما كنتم تعمَلون في الدنيا للَّهِ من الأعمالِ.
وقولُه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾. [يقولُ: مُتَّكِئين على نَمارِقَ على سُررٍ مصفوفةٍ]، قد جُعِلت صفوفًا. وترَك قولَه: على نمارقَ. اكتفاءً بدلالةِ] الكلامِ عليه.
وقولُه: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا الذكورَ من هؤلاء المتقين أزواجًا بحورٍ عينٍ من النساءِ. يقولُ الرجلُ: زوِّجْ هذا الخُفَّ الفردَ أو النعلَ الفردَ بهذا الفردِ. بمعنى: اجْعَلْهما زوجًا.
لذكورَ من هؤلاء المتقين أزواجًا بحورٍ عينٍ من النساءِ. يقولُ الرجلُ: زوِّجْ هذا الخُفَّ الفردَ أو النعلَ الفردَ بهذا الفردِ. بمعنى: اجْعَلْهما زوجًا. وقد بيَّنا معنى الزوجِ* فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه ههنا.
والحُورُ جمعُ حَوْراءَ، وهي الشديدةُ بياضِ مُقلةِ العينِ في شدَّةِ سوادِ الحَدَقةِ. وقد ذكَرتُ اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، وبيَّنتُ الصوابَ فيه عندَنا، بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ.
والعِينُ جمعُ عَيْناءَ، وهي العظيمةُ العَيْنِ في حُسْنٍ وسَعةٍ.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾
يخبر تعالى عن حال السعداء فقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ)، وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال.
(فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) أي: يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ، من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك، (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) أي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
ا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. أي هذا بذاك، تفضلا منه وإحسانا.
وقوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ) قال الثوري، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: السرر في الحجال.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو؛ أنه سمع الهيثم بن
مالك الطائي يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه".
وحدثنا أبي، حدثنا هُدْبَة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا.
ومعنى (مصفوفة) أي: وجوه بعضهم إلى بعض، كقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤].
م يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا.
ومعنى (مصفوفة) أي: وجوه بعضهم إلى بعض، كقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤]. (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي: وجعلناهم قرينات صالحات، وزوجات حسانا من الحور العين.
وقال مجاهد: (وزوجناهم): أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته.