لتُ مَن سلَك طرائقَهم، وكانوا على مثلِ ما كانوا عليه مِن التَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالةِ.
وقولُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا بعَثْنا على عادٍ، إذ تَمادَوْا في طُغْيانِهم وكفرِهم باللهِ، ريحًا صَرْصَرًا، وهي الشديدةُ العُصُوفِ في بردٍ، التي لصوتِها صَريرٌ، وهي مأخوذةٌ مِن شدةِ صوتِ هبوبِها، إذا سُمِع منها، كهيئةِ قولِ القائلِ: صَرْصَرَ. فقيل منه: صَرْصَرٌ. كما قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]. من "كُبُّوا"، ونَهْنَهْتُ مِن "نَهَّهتُ".
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. [قال: ريحًا باردةً].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾.
حًا صَرْصَرًا﴾. [قال: ريحًا باردةً].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصرصرُ: الباردةُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصرصرُ: الباردةُ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: باردةً.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: شديدةً، والصرصرُ: الباردةُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصَّرصرُ: الشديدةُ.
وقولُه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾.
ردةُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصَّرصرُ: الشديدةُ.
وقولُه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في يومِ شرٍّ وشُؤْمٍ لهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: النَّحْسُ الشؤمُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. قال: النحسُ الشرُّ، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: في يومِ شرٍّ.
وقد تأَوَّل ذلك آخرون بمعنى: شديدٍ. ومَن تأَوَّل ذلك كذلك، فإنه يَجْعَلُه مِن صفةِ اليومِ، ومَن جعَله مِن صفةِ اليومِ، فإنه يَنْبَغي أن يكونَ قراءتُه بتنوينِ اليومِ، وكسرِ الحاءِ مِن النَّحسِ، فيكونُ (في يومٍ نَحِسٍ). كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦].
نْبَغي أن يكونَ قراءتُه بتنوينِ اليومِ، وكسرِ الحاءِ مِن النَّحسِ، فيكونُ (في يومٍ نَحِسٍ). كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. ولا أَعْلَمُ أحدًا قرَأ ذلك كذلك في هذا الموضعِ، غيرَ أن الروايةَ التي ذُكِرَت في تأويلِ ذلك عمن ذُكِرَت عنه، على ما وصَفْنا، تَدُلُّ على أن ذلك كان قراءتَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. قال: أيامٍ شِدادٍ.
وحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: يومٍ شديدٍ.
وقولُه: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾.
تُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: يومٍ شديدٍ.
وقولُه: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾. يقولُ: في يومِ شرٍّ وشؤمٍ، استَمَرَّ بهم البلاءُ والعذابُ فيه إلى أن وافَى بهم جهنمَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾: يَسْتَمرُّ بهم إلى نارِ جهنمَ.
وقولُه: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. يقولُ: تَقلَعُ الناسَ وتَرْمِي بهم على رءوسِهم، فتَنْدَقُّ رقابُهم وتَبِينُ مِن أجسادِهم.
ذهَب الدهرُ بعمرِو بـ … ــنِ حليٍّ والهَنِيَّاتِ
ثم بالحارثِ والهِلْـ … ــقامِ طَلَّاعِ الثَّنِيَّاتِ
والذي سَدَّ مَهَبَّ الر … يحِ أيامَ البَلِيَّاتِ
حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ البَيْروتيُّ، قال: أخْبَرني أبي، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما هبَّت الريحُ قام سبعةٌ مِن عادٍ فقالوا: نَرُدُّ الريحَ. فأَتَوْا فمَ الشِّعْبِ الذي يَأتي منه الريحُ، فوقَفوا عليه، فجعَلَت الريحُ تَهُبُّ فتَدْخُلُ تحتَ واحدٍ منهم، تَقْتَلِعُه مِن الأرضِ، فتَرْمِي به على رأسِه، فتَنْدَقُّ رقبتُه، ففعَلَت ذلك بستةٍ منهم، وترَكَتْهم كما قال اللهُ: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. وبقِيَ الخَلَجانُ، فأتَى هودًا، فقال: يا هودُ، ما هذا الذي أَرَى في السَّحابِ كهيئةِ البَخَاتيِّ؟ قال: تلك ملائكةُ ربي. فقال: ما لي إن أَسْلَمْتُ؟ قال: تَسْلَمُ. قال: أيُعيذُني ربُّك إن أَسْلَمْتُ مِن هؤلاء؟ فقال: ويلك، أرأيْتَ مَلِكًا يُعيذُ مِن جندِه؟ فقال: وعزتِه لو فعَل ما رضِيتُ.
َسْلَمْتُ؟ قال: تَسْلَمُ. قال: أيُعيذُني ربُّك إن أَسْلَمْتُ مِن هؤلاء؟ فقال: ويلك، أرأيْتَ مَلِكًا يُعيذُ مِن جندِه؟ فقال: وعزتِه لو فعَل ما رضِيتُ. قال: ثم مال إلى جانبِ الجبلِ، فأخَذ برُكنٍ منه فهزَّه، فاهْتَزَّ في يدِه، ثم جعَل يقولُ:
لم يَبْقَ إِلا الخَلَجانُ نفسُه … يا لك مِن يومٍ دهاني أمسُه
بثابتِ الوَطْءِ شديدٍ وَطْسُه … لو لم يَجِئْني جئتُه أَجُسُّه
قال: ثم هبَّت الريحُ فألْحَقَته بأصحابِه.
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سيفٍ، عن الحسنِ، قال: لما أقْبَلَت الريحُ قام إليها قومُ عادٍ، [فأَخَذ بعضُهم بأيدي بعضٍ] كما تَفْعَلُ الأعاجمُ، فرَغَموا أقدامَهم في الأرضِ، وقالوا: يا هودُ، مَن يُزِيلُ أقدامَنا عن الأرضِ إن كنتَ صادقًا؟
عادٍ، [فأَخَذ بعضُهم بأيدي بعضٍ] كما تَفْعَلُ الأعاجمُ، فرَغَموا أقدامَهم في الأرضِ، وقالوا: يا هودُ، مَن يُزِيلُ أقدامَنا عن الأرضِ إن كنتَ صادقًا؟ فأَرْسَل اللهُ عليهم الريحَ، [تَنْزِعُ الناسَ] كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ جابرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: إن كان الرجلُ مِن قومِ عادٍ لَيَتَّخِذُ المِصْراعين مِن حِجارةٍ، لو اجْتَمَع عليها خمسُمائةٍ مِن هذه الأمةِ لم يَسْتَطِيعوا أن يَحْمِلوها، وإن كان الرجلُ منهم [ليَغْمِزُ قدمَه] في الأرضِ فتَدْخُلُ في
الأرضِ.
وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. ومعنى الكلامِ: فتَرَكتْهم كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ.
غْمِزُ قدمَه] في الأرضِ فتَدْخُلُ في
الأرضِ.
وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. ومعنى الكلامِ: فتَرَكتْهم كأنهم أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ. فترَك ذكرَ "فترَكتْهم"، استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه.
وقيل: إنما شبَّههم بأعجازِ نخلٍ مُنْقَعِرٍ لأن رءوسَهم كانت تَبِينُ من أجسادِهم، فتَذْهَبُ لذلك رقابُهم، مِن أجسادِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خَليفةَ، عن هلالِ بنِ خَبَّابٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال: سقَطَت رءوسُهم كأمثالِ الأخْبِيةِ، و [تفَرَّدَت، أو تفرَّقَت] أعناقُهم - قال أبو جعفرٍ: أَنا أَشُكُّ - فشبَّهها بأعجازِ نخلٍ منقعرٍ.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال:
هم قومُ عادٍ حينَ صرَعَتهم الريحُ، كأنهم فِلْقُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
َ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال:
هم قومُ عادٍ حينَ صرَعَتهم الريحُ، كأنهم فِلْقُ نخلٍ مُنْقَعِرٍ.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [فانْظُروا معشرَ] كفارِ قريشٍ، كيف كان عذابي قومَ عادٍ حين كفَروا بربِّهم وكذَّبوا رسولَه، فإن ذلك سنةُ اللَّهِ ﷿ في أمثالِهم، وكيف كان إنذاري بهم مَن أَنْذَرْتُ.
صنع قوم نوح، وأنه تعالى
أرسل (عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا)، وهي الباردة الشديدة البرد، (فِي يَوْمِ نَحْسٍ) أي: عليهم. قاله الضحاك، وقتادة، والسّدّي. (مُسْتَمِرٍّ) عليهم نحسه ودماره؛ لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي.
وقوله: (تَنزعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط إلى الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس؛ ولهذا قال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).