القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا
تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به من قريشٍ: ألكم أيُّها القومُ بتسويتِكم بينَ المسلمين والمجرِمين في كرامةِ اللهِ - كتابٌ نزل من عندِ اللهِ أتاكم به رسولٌ من رسلِه، بأن لكم ما تَخَيَّرون، فأنتم تَدْرُسون فيه ما تقولون؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. قال: فيه الذى تقولون، تَقْرَءُونه، تَدْرُسونه. وقرَأ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ [فاطر: ٤٠] إلى آخرِ الآيةِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن لكم في ذلك الذى تَخَيَّرون من الأمورِ لأنفسكم.
هُ﴾ [فاطر: ٤٠] إلى آخرِ الآيةِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن لكم في ذلك الذى تَخَيَّرون من الأمورِ لأنفسكم. وهذا أمرٌ من اللهِ توبيخٌ لهؤلاءِ القومِ، وتقريعٌ لهم فيما كانوا يقولون من الباطلِ، ويَتَمَنَّون من الأمانىِّ الكاذبة.
وقولُه: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: هل لكم أيمانٌ علينا تَنْتَهى بكم إلى يومِ القيامةِ، بأن لكم ما تَحْكُمون؟ أي: بأن لكم حكمَكم. ولكن الألفَ كُسِرت من ﴿إِنَّ﴾ لما دخَل في الخبرِ اللامُ، أي: هل لكم أيمانٌ علينا بأن لكم حُكْمَكم؟!
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾
لما ذكر [الله] تعالى حال أهل الجنة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله، ﷿، وخالفوا أمره، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تَبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها.
ثم قال: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)؟ أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء؛ ولهذا قال (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)! أي: كيف تظنون ذلك؟