القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْتُ له بنينَ شُهودًا. ذُكِر أنهم كانوا عشرةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. قال: كان بَنُوه عشرةً.
وقولُه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبسَطْتُ له في العيشِ
بَسْطًا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: بُسِط له.
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: من المالِ والولدِ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.
ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: من المالِ والولدِ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَأْمُلُ ويَرْجُو أَن أَزِيدَه مِن المالِ والولدِ، على ما أعْطَيْتُه، ﴿كَلَّا﴾.
يقولُ: ليس ذلك كما يَأْمُلُ ويَرْجُو، مِن أن أزيدَه مالًا وولدًا وتمهيدًا في الدنيا، ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. يقولُ: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا كان لآياتِنا؛ وهى حُجَجُ الله على خلقِه، مِن الكتبِ والرسلِ، ﴿عَنِيدًا﴾. يعنى مُعانِدًا للحقِّ مجانبًا له، كالبعير العنُودِ، ومنه قولُ القائلِ:
إذا نزَلْتُ فَاجْعَلانِي وَسَطَا … إني كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾.
ُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. يقولُ: لآيتِنا جَحودًا.
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو: مُعانِدًا لها. وقال الحارثُ: معاندًا عنها، مُجانبًا لها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنِيدًا﴾. قال: مُعاندًا للحقِّ مُجانبًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: [﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كَفُورًا بآياتِ اللهِ، جَحودًا بها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾]. قال: مُشاقًا، وقيل: عَنيدًا.
عَنِيدًا﴾ كَفُورًا بآياتِ اللهِ، جَحودًا بها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾]. قال: مُشاقًا، وقيل: عَنيدًا. وهو من عانَد مُعانَدَةً فهو مُعانِدٌ، كما قيل: عامٌ قابلٌ، وإنما هو مُقْبِلٌ.
وقولُه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سأكَلِّفُه مشقةً من العذاب، لا راحةَ له فيها.
وقيل: إِن الصَّعودَ جبلٌ من النارِ، يُكَلَّفُ أهلُ النارِ صعودَه.
ذكرُ الرواية بذلك
حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدِ بن زائدةَ، قال:
ثنا شَريكٌ، عن [عمارٍ الدُّهنِيِّ]، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
لأسَديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدِ بن زائدةَ، قال:
ثنا شَريكٌ، عن [عمارٍ الدُّهنِيِّ]، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: "هو جبلٌ في النارِ من نارٍ يُكَلَّفون أن يَصْعَدوه، فإذا وضَع يدَه ذابَت، فإذا رفَعها عادَت، فإذا وضَع رجلَه كذلك".
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثُ، عن دَرَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعودُ جبلٌ مِن نارٍ، يَصْعَدُ فيه سبعين خَريفًا، ثم يَهْوى به كذلك منه أبدًا".
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: مشقةً من العذابِ].
حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. أي: عذابًا لا راحةَ فيه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿سَأُرْهِقُهُ
صَعُودًا﴾. قال: مشقةً من العذابِ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: تعبًا من العذابِ.
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾
يقول تعالى متوعدا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفرا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر. وقد عدد الله عليه نعَمه حيث قال: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله،
(مَالا مَمْدُودًا) أي: واسعًا كثيرًا قيل: ألف دينار. وقيل: مائة ألف دينار. وقيل: أرضا يستغلها. وقيل غير ذلك.
وجعل له (وَبَنِينَ شُهُودًا) قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضورا عنده لا يسافرون في التجارات، بل مَواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتَمَلَّى بهم. وكانوا -فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر بن قتادة-ثلاثة عشر.
مَواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتَمَلَّى بهم. وكانوا -فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر بن قتادة-ثلاثة عشر. وقال ابن عباس، ومجاهد: كانوا عشرة. وهذا أبلغ في النعمة [وهو إقامتهم عنده].
(وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا) أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك،
(ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا) أي: معاندا، وهو الكفر على نعمه بعد العلم.
قال الله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله
ﷺ قال: "ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصَّعُود: جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا".
وقد رواه الترمذي عن عبد بن حُمَيد، عن الحسن بن موسى الأشيب، به ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لَهِيعة عن دراج. كذا قال.
وي به كذلك فيه أبدا".
وقد رواه الترمذي عن عبد بن حُمَيد، عن الحسن بن موسى الأشيب، به ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لَهِيعة عن دراج. كذا قال. وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج وفيه غرابة ونكارة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة وعلي بن عبد الرحمن -المعروف بعلان المصري -قال: حدثنا مِنْجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدُّهَنِيّ، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال: "هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت".
ورواه البزار وابن جرير، من حديث شريك، به.
وقال قتادة، عن ابن عباس: صعود: صخرة [في جهنم] عظيمة يسحب عليها الكافر على وجهه.
وقال السدي: صعودا: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها.
وقال مجاهد: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير.