القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: قلْ لفرعونَ: هل لك إلى أن أُرْشِدَك إلى ما يُرْضى ربَّك عنك، وذلك الدينُ القَيَّمُ، ﴿فَتَخْشَى﴾. يقولُ: فتَخْشَى عقابه بأداءِ ما أَلْزَمَك مِن فرائضه، واجتناب ما نهاك عنه من معاصيه.
وقولُه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَرَى موسى فرعونَ ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. يعنى الدلالةَ الكبرى على أنه للهِ رسولٌ أرْسلَه اللهُ، فكانت تلك الآيةُ يدَ موسى إذ أخْرجها بيضاءَ للناظرين، وعصاه إذ تَحوَّلت ثعبانًا مبينًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا مسلمٍ بنُ إبراهيمَ، عن محمدِ بن سيفٍ أبى رَجاءٍ - هكذا هو في كتابي، وأَظُنُّه عن نوحِ بن قيسٍ، عن محمدِ بن سيفٍ قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ في هذه الآية: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾.
يفٍ أبى رَجاءٍ - هكذا هو في كتابي، وأَظُنُّه عن نوحِ بن قيسٍ، عن محمدِ بن سيفٍ قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ في هذه الآية: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يدَه وعصاه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: عصاه ويدَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: رأى يدَ موسى وعصاه، وهما آيتان.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: عصاه ويدَه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: العصا والحية.
وقولُه: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾.
.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: العصا والحية.
وقولُه: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾. يقولُ: فكذَّب فرعون موسى فيما أتاه مِن الآياتِ والمُعْجِزةِ، وعصاه فيما أمَرَه به من طاعته ربَّه، وخشيتِه إياه.
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. يقولُ: ثم ولَّى مُعْرِضًا عما دعاه إليه موسى مِن طاعتِه ربَّه، وخشيته وتوحيده، ﴿يَسْعَى﴾. يقولُ: يَعْمَلُ في معصية اللهِ، وفيما يُسْخطه عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. قال: يَعْمَلُ بالفسادِ.
وقولُه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. يقولُ: فجمع قومَه وأتباعَه، فنادَى فيهم، ﴿فَقَالَ﴾ لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ الذي كلُّ ربٍّ دونى.
مَلُ بالفسادِ.
وقولُه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. يقولُ: فجمع قومَه وأتباعَه، فنادَى فيهم، ﴿فَقَالَ﴾ لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ الذي كلُّ ربٍّ دونى. وكذَبَ الأحمقُ.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. قال: صرَخ وحشَر قومه، فنادَى فيهم، فلمَّا اجْتَمعوا قال: أنا ربُّكم الأعلى. فأخَذه اللهُ نكال الآخرةِ والأولى.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً
لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾: فعاقبه اللهُ، ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. يقولُ: عقوبةَ الآخرةِ من كلمتيه؛ وهي قولُه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. والأُولى قولِه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ من] أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: سمِعْتُ أبا بكرٍ، وسُئِل عن هذا، فقال: كان بينَهما أربعون سنةً؛ بين قولِه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وقولُه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال: هما كلِمتاه، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قيل له: مَن ذكرُه؟ قال: أبو حصين، فقيل له: عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ؟
َى﴾. قال: هما كلِمتاه، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قيل له: مَن ذكرُه؟ قال: أبو حصين، فقيل له: عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ؟ قال: نعم.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: أما الأُولى فحينَ قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وأما الآخِرةُ فحين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضَّاحِ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال:
هو قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وقولُه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
ذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال:
هو قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وقولُه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وكان بينَهما أربعون سنةً.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانَة، عن إسماعيلَ الأسديِّ، عن الشعبيِّ بمثلِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: هما كَلِمتاه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ و: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾؛ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾؛ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. والآخِرةُ قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أخبرني من سمِع مجاهدًا يقولُ: كان بينَ قولِ فرعونَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وبين قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. أربعون سنةً.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أما الأُولى فحين قال فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وأما الآخِرةُ فحين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ
الْأَعْلَى﴾. فأخَذه اللهُ بكلمتَيْه كلتيهما، فأَغْرَقه في اليَمِّ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.
تيهما، فأَغْرَقه في اليَمِّ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: اختلفوا فيها، فمنهم من قال: نَكَالَ الآخرةِ مِن كلمتيه والأولى؛ قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وقولُه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وقال آخرون: عذابَ الدنيا، وعذاب الآخرةِ، عجَّل اللهُ له الغرقَ، مع ما أعَدَّ له من العذابِ في الآخرةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثمةَ الجُعْفيِّ، قال: كان بين كلِمتىْ فرعونَ أربعون سنةً؛ قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وقولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن ثُوَيْرٍ، عن مجاهدٍ، قال: مكَث فرعونُ في قومِه بعدَ ما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
غَيْرِي﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن ثُوَيْرٍ، عن مجاهدٍ، قال: مكَث فرعونُ في قومِه بعدَ ما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. أربعين سنةً.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك: فأَخَذَه اللهُ نَكالَ الدنيا والآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: الدنيا والآخرة.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَأَخَذَهُ
اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: عقوبةَ الدنيا والآخرة.
وهو قولُ قتادةَ.
وقال آخرون: الأُولى: عصيانه ربَّه وكفره به، والآخرةُ: قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: الأُولى: تكذيبُه وعِصيانُه، والآخرةُ: قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: الأُولى: تكذيبُه وعِصيانُه، والآخرةُ: قولِه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. ثم قرأ: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فهى الكلمةُ الآخِرةُ.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه أخذه بأوّلِ عملِه وآخرهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: أول عمله وآخره.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.
ول عمله وآخره.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: أول أعمالِه وآخرِها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، قال: نكالَ الآخرةِ مِن المعصية والأولى.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. قال: عمله للآخرةِ والأولى.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
فإن مَن بَنَى السماءَ فرفَعَها سقفًا، هَيِّنٌ عليه خلقُكم وخلقُ أمثالِكم، وإحياؤُكم بعدَ مَماتِكم، وليس خلقُكم بعدَ ممَاتِكم بأشدَّ مِن خلقِ السماءِ.
وعُنِى بقولِه: ﴿بَنَاهَا﴾: رفَعها فجعلها للأرضِ سقفًا.
وقولُه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسوَّى السماءَ، فلا شيءَ أرفعُ مِن شيءٍ، ولا شيءَ أخفضُ مِن شيءٍ، ولكنَّ جميعها [مُسْتَوٍ في]
الارتفاعِ والامتدادِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولِه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ: رفع بناءَها فسوَّاها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾. قال: رفَع بناءَها بغيرِ عَمَدٍ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾. يقولُ: بُنيانها.
سلم وتطيع. (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ) أي: أدلك إلى عبادة ربك، (فَتَخْشَى) أي: فيصير قلبك خاضعا له مطيعا خاشيا بعدما كان قاسيا خبيثا بعيدا من الخير. (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى) يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قويةً، ودليلا واضحا على صدق ما جاءه به من عند الله، (فَكَذَّبَ وَعَصَى) أي: فكذب بالحق وخالف ما أمره به من الطاعة. وحاصلُه أنه كَفَر قلبُه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمُهُ بأن ما جاء به أنه حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علمُ القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له.
وقوله: (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جَمعُهُ السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى، ﵇، من المعجزة الباهرة، (فَحَشَرَ فَنَادَى) أي: في قومه، (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى)
قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] بأربعين سنة.
لَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى)
قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] بأربعين سنة.
قال الله تعالى: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى) أي: انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١]. هذا هو الصحيح في معنى الآية، أن المراد بقوله: (نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى) أي: الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والصحيح الذي لا شك فيه الأول.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) أي: لمن يتعظ وينزجر.