القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يُبشِّرُ هؤلاء الذين آمنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ - ﴿رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ لهم، أنه قد رَحِمهم مِن أن يُعَذِّبَهم، وبرضوانٍ منه لهم، بأنه قد رَضِى عنهم بطاعتِهم إيَّاه، وأدائِهم ما كَلَّفَهم، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾. يقولُ: وبَساتينُ ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: لا يَزُولُ ولا يَبِيدُ، ثابتٌ دائمٌ أبدًا لهم.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا سُفيانُ، عن محمدِ
ابن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دَخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللهُ سبحانَه: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا. فيقولون: رَبَّنا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْواني.
ْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾
أمر الله تعالى بمباينة الكفار به، وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا (اسْتَحَبُّوا) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
وروى الحافظ [أبو بكر] البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن
مْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
وروى الحافظ [أبو بكر] البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن
الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله وعلى رسوله وجهاد في سبيله، فقال: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا) أي: اكتسبتموها وحصلتموها (وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا) أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم؛ ولهذا قال: (حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
لَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا) أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم؛ ولهذا قال: (حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد، عن جده قال: كنا مع رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه". فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي.
نت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه". فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي. فقال رسول الله: "الآن يا عمر"
انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن أبي عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع جده عبد الله بن هشام، عن النبي ﷺ بهذا
وقد ثبت في الصحيح عنه رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"
وروى الإمام أحمد، وأبو داود -واللفظ له -من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"
وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون، عن أبي جناب، عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله ابن عمرو عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.