القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الْحِسَابُ (٤١)﴾.
وهذا دعاءٌ من إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه لوالديه بالمغفرةِ، واستغفارٌ منه لهما، وقد أخْبَر اللهُ عزَّ ذكرُه أنه لم يَكُن ﴿اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
وقد بيّنا وقتَ تبَرُّئِه منه فيما مضَى، بما أَغْنَى عن إعادتِه.
وقولُه: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وللمؤمنين بك، ممن تبِعَنى على الدينِ الذي أنا عليه، فأطاعك في أمرِك ونهيِك.
وقولُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾. يعنى: يقومُ الناسُ للحسابِ، فاكْتَفَى بذكرِ الحسابِ مِن ذكرِ الناسِ، إذ كان مفهومًا معناه.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾
قال ابن جرير: يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم خليله أنه قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) أي: أنت تعلم قصدي في دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء.
أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء.
ثم حمد ربه، ﷿، على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: إنه ليستجيب لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد.
ثم قال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) أي: محافظا عليها مقيما لحدودها (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: واجعلهم كذلك مقيمين الصلاة (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) أي: فيما سألتك فيه كله.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) وقرأ بعضهم: "ولوالدي"، على الإفراد وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله، ﷿، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أي: كلهم (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) أي: يوم تحاسب عبادك فتجزيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، [والله أعلم].
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم طلب المغفرة لوالديه، وبين في آيات أخر أن طلبه الغفران لأبيه إنما كان قبل أن يعلم أنَّه عدو لله، فلما علم ذلك تبرأ منه، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
•