Dia (ayahnya) berkata, "Bencikah engkau kepada tuhan-tuhanku, wahai Ibrahim? Jika engkau tidak berhenti, pasti engkau akan kurajam, maka tinggalkanlah aku untuk waktu yang lama
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو إبراهيمَ لإبراهيمَ حين دعاه إبراهيمُ إلى عبادِة اللهِ وترْكِ عبادةِ الشيطانِ، والبراءةِ من الأوثانِ والأصنامِ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ يا إبراهيمُ ﴿عَنْ﴾ عبادةِ ﴿آلِهَتِي﴾ ﴿لَئِنْ﴾ أنتَ ﴿لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن ذكرهِا بسوءٍ ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. يقولُ: لأرجُمنَّك بالكلامِ. وذلك السبُّ والقولُ القبيحُ.
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمةِ والقولِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
ُمَنَّكَ﴾ بالشتيمةِ والقولِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. قال: بالقولِ؛ لأشتُمنَّك.
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. يعني: رجْمَ القولِ.
وأمَّا قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. فإنَّ أهلُ التأويلِ اختلفُوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: واهجُرنى حينًا طويلًا ودهرًا. ووجَّهوا معنى الملىِّ إلى المِلاوةِ من الزمانِ، وهو الطويلُ منه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: دهرًا.
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ]، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن
عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
قال: دهرًا.
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ]، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوضَّاحِ، عن
عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: دهرًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَلِيًّا﴾. قال: حينًا.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: طويلًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: زمانًا طويلًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. يقولُ: دهرًا، والدهرُ المليُّ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
ولُ: دهرًا، والدهرُ المليُّ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: دهرًا.
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاهْجُرْنِي
مَلِيًّا﴾. قال: أبدًا.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: واهجُرنى سويًّا سالمًا من عقوبتى إِيَّاك. ووجَّهُوا معنى الملىِّ إلى قول الناسِ: فلانٌ ملىٌّ بهذا الأمرِ: إذا كان مضطَلِعًا به غنيًّا منه. وكأنَّ معنى الكلامِ كان عندَهم: واهجُرني وعِرضُكَ وافرٌ من عقوبتي، وجسمُك معافًى من أذايَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. يقولُ: اجتنِبنى سَوِيًّا.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
يقولُ: اجتنِبنى سَوِيًّا.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: اجتَنبني سالمًا قبلَ أن يُصيبَك منِّى عقوبةٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: سالمًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرِ بنِ درهمٍ أبو غسَّانَ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن عطية الجَدَلىِّ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: سالمًا.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾: اجتنِبني سالمًا لا يصيبُك منِّى معرَّةٌ.
وأولَى القولينِ بتأويلِ الآيةِ عندِى قولُ من قال: معنى ذلك: واهجُرني سويًّا، سليمًا من عقوبتِي؛ لأنَّه عَقيبُ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾.
القولينِ بتأويلِ الآيةِ عندِى قولُ من قال: معنى ذلك: واهجُرني سويًّا، سليمًا من عقوبتِي؛ لأنَّه عَقيبُ قولِه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. وذلك وعيدٌ منه له إن لم ينتهِ عن ذكرِ آلهتِه بالسوءِ، أن يرجُمَه بالقولِ السيِّئ، والذى هو أولَى أن يَتبَعَ ذلك التقدُّمُ إليه بالانتهاءِ عنه قبلَ أن تنَالَه العقوبةُ، فأمَّا الأمرُ بطولِ هجرِه فلا وجهَ له.
﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] فيما دعاه إليه أنه قال: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ) يعني: [إن كنت لا] تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصتُ منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: (لأرْجُمَنَّكَ)، قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم.
وقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا.
وقال الحسن البصري: زمانًا طويلا.
جريج، والضحاك، وغيرهم.
وقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا.
وقال الحسن البصري: زمانًا طويلا. وقال السدي: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: أبدًا.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجَدَلي و [أبو] مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير.
فعندها قال إبراهيم لأبيه: (سَلامٌ عَلَيْكَ) كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
َا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
ومعنى قول إبراهيم لأبيه: (سَلامٌ عَلَيْكَ) يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) قال ابن عباس وغيره: لطيفًا، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال مجاهد وقتادة، وغيرهما: (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) قال: [و] عَوّدَه الإجابة.
وقال السدي: "الحفي": الذي يَهْتَم بأمره.
وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق، ﵉، في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
جد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق، ﵉، في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الممتحنة: ٤]، يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به.
إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الممتحنة: ٤]، يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به. ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].
وقوله: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي) أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله]، (وَأَدْعُو رَبِّي) أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، (عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) و "عسى" هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇، سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم.
قوله تعالى: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾.
بين الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان؛ خاطبه هذا الخطاب العنيف، وسماه باسمه ولم يقل له: يا بُني في مقابلة قوله له: يا أبتِ. وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا. وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه قيل بالحجارة وقيل باللسان شتمًا، والأول أظهر. ثم أمره بهجره مليًّا أي زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضًا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: ﴿قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية.
يًّا أي زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضًا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: ﴿قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية. وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾. وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة، قابله
أبوه بالعنف والشدة؛ بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجئوا إلى استعمال القوة، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ قال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ فلما أفحمهم بهذه الحجة لجئوا إلى القوة، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾. ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ..
٨)﴾. ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ .. ﴾ الآية، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه، بل ستسلم مني فلا أوذيك. وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وعد من إبراهيم لأبيه باستعفاره له، وقد وفى بذلك الوعد، كما قال تعالى عنه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾، وكما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾.
قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ .. ﴾ الآية. وبين في سورة "الممتحنة" أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الأسوة بإبراهيم، والأسوة الاقتداء، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ -إلى قوله- إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ .. ﴾ الآية، أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك. ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ .. ﴾ الآية. بين الله تعالى أنهم معذورون في ذلك؛ لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ..
نه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ .. ﴾.
وقوله في هذه الآية: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ يجوز فيه أن يكون ﴿أَرَاغِبٌ﴾ خبرًا مقدمًا، و ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ مؤخرًا، وأن يكون ﴿أَرَاغِبٌ﴾ مبتدأ و ﴿أَنْتَ﴾ فاعل سد مسد الخبر. ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين: الأول: أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير؛ والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم. الوجه الثاني: هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو ﴿أَرَاغِبٌ﴾ وبين معموله الذي ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بما ليس بمعمول للعامل؛ لأن الخبر ليس هو عاملًا في المبتدأ، بخلاف كون ﴿أَنْتَ﴾ فاعلًا؛ فإنه معمول ﴿أَرَاغِبٌ﴾ فلم يفصل بين ﴿أَرَاغِبٌ﴾ وبين ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بأجنبي، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة عن الشيء: تركه عمدًا للزهد فيه، وعدم
الحاجة إليه.
وبين ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بأجنبي، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة عن الشيء: تركه عمدًا للزهد فيه، وعدم
الحاجة إليه. وقد قدمنا في سورة "النساء" الفرق بين قولهم: رغب عنه، وقولهم: رغب فيه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ .. ﴾ الآية. والتحقيق في قوله: ﴿مَلِيًّا (٤٦) ﴾ أن المراد به الزمن الطويل ومنه قول مهلهل:
فتصدعت صم الجبال لموته ... وبكت عليه المرملات مليًّا
وأصله واويّ اللام؛ لأنه من الملاوة وهي مدة العيش. ومن ذلك قيل لليل والنهار: الملوان. ومنه قول ابن مقبل:
ألا يا ديار الحي بالسبعان ... أملّ عليها بالبِلَى المَلَوان
وقول الآخر:
نهار وليل دائمٌ مَلَواهما ... على كلِّ حالِ المرء يختلفان
وقيل "الملوان" في بيت ابن مقبل: طرفا النهار. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) ﴾ أي لطيفًا بي. كثير الإحسان إلي.
.. على كلِّ حالِ المرء يختلفان
وقيل "الملوان" في بيت ابن مقبل: طرفا النهار. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) ﴾ أي لطيفًا بي. كثير الإحسان إلي. وجملة: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ عطف على جملة: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:
وإن شفائي عبرة إن سفحتها ... وهل عند رَسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّل
فجملة "وإن شفائي" خبرية، وجملة "وهل عند رسم" الخ إنشائية معطوفة عليها. وقول الآخر أيضًا:
تناغى غزالًا عند باب ابن عامر ... وكحل مآقيك الحسان بإثمد
وهذا هو الظاهر كما قاله أبو حيان عن سيبويه. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: علام عطف ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي فاحذرني واهجرني؛ لأن ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ تهديد وتقريع. اهـ.
•