القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال لوطٌ لقومه: تزوَّجوا النساء فائْتُوهن، ولا تَفْعَلُوا ما قد حرَّم الله عليكم مِن إتيانِ الرجالِ، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، ومُنْتَهين إلى أمرى.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أمرهم نبيُّ الله لوطٌ أن يتزوَّجوا النساء، وأراد أن يقى أضيافه ببناته.
وقولُه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وحياتك يا محمدُ، إن قومك من قريشٍ ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
ء، وأراد أن يقى أضيافه ببناته.
وقولُه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وحياتك يا محمدُ، إن قومك من قريشٍ ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. يقول: لفى ضلالتهم وجهلهم يَتَرَدَّدون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلم بنُ إبراهيم، قال: ثنا سعيدُ بن زيدٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباسٍ، قال: ما خلق الله وما ذرًا وما برأ نفسًا أكرم على الله من محمدٍ ﷺ، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحدٍ غيره، قال الله
تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاق الحضرميُّ، قال: ثنا الحسنُ بن أبى جعفرٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
ا الحسنُ بن أبى جعفرٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: ما حلَف الله تعالى بحياة أحدٍ إلا بحياة محمدٍ ﷺ، قال: وحياتك يا محمدُ وعَمْرِك وبقائك في الدنيا، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: [وهى كلمةٌ من كلام العرب، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾] أي: في ضلالتهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أَي: يَلْعَبون.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، قال: سأَلْتُ الأعمش عن قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: لفى غَفْلَتِهِم يَتَردَّدون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾.
فْلَتِهِم يَتَردَّدون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَلْعبون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَتَردَّدون.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ: لَعَيْشُك، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَتَمادَوْن.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يَكْرَهون أن يقول الرجلُ: لعَمْرِى. يرونه كقوله: وحياتى.
وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: فأخذتهم صاعقةُ العذاب، وهي الصيحةُ. ﴿مُشْرِقِينَ﴾، يقول: إذ أشرقوا، ومعناه: إذ أشرقت الشمسُ. ونَصْبُ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ على الحال، بمعنى: إذ أصبحوا، وإذ أشْرَقوا، يقالُ منه: صيح بهم.
ِينَ﴾، يقول: إذ أشرقوا، ومعناه: إذ أشرقت الشمسُ. ونَصْبُ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ على الحال، بمعنى: إذ أصبحوا، وإذ أشْرَقوا، يقالُ منه: صيح بهم. إذا أهلكوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. قال: حين أشرقت الشمسُ، ذلك ﴿مُشْرِقِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾
يقول: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عَنان السماء ثم قلْبها، وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. وقد تقدم الكلام على السجيل في [سورة] هود بما فيه كفاية.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) أي: إن آثار هذه النقم ظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين.
ل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتأملين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العَبْدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ "اتقوا فِرَاسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ النبي ﷺ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)
رواه الترمذي، وابن جرير، من حديث عمرو بن قيس الملائي وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر بنور الله"
ثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر بنور الله"
وقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحِمْصِيّ، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المُؤَمَّل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن مُنَبِّه، عن طاوس بن كَيْسَان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله"
وقال أيضًا: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: "إن لله عبادًا
يعرفون الناس بالتوسم"
ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"
ثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"
وقوله: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة لبطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]
وقال مجاهد، والضحاك: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) قال: مُعَلَّم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.
وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ولكن ليس المعنى على ما قال هاهنا، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفًا بأنه لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في ص أيضًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وقوله في سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وهم الذين احترز منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وبين تعالى في مواضع آخر أَنّ الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ