القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فجَعَلْنا عالى أرضهم سافلها، وأمطرنا عليهم حجارةً من طينٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عكرمة: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي: من طينٍ.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقول: إن في الذي فعلنا بقوم لوطٍ من إهلاكهم، وأحلَلْنا بهم من العذاب، لعلاماتٍ ودَلالاتٍ للمُتَفَرِّسين المعتبرين بعلاماتِ اللهِ وعِبره، على عواقب أمور أهل معاصيه والكفر به. وإنما يعنى تعالى ذكره بذلك قوم نبيِّ الله ﷺ من قريشٍ، يقولُ: فلقومك يا محمدُ في قوم لوطٍ، وما حلَّ بهم من عذابِ اللَّهِ حين كذَّبوا رسولَهم، وتَمادَوا في غيِّهم وضلالهم - مُعتَبرٌ.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
لوطٍ، وما حلَّ بهم من عذابِ اللَّهِ حين كذَّبوا رسولَهم، وتَمادَوا في غيِّهم وضلالهم - مُعتَبرٌ.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يَعْلى بنُ عبيدٍ، قال: ثنا عبدُ الملك بنُ أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُتَفَرِّسين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبد الملك، وحدَّثنا الحسنُ
الزَّعْفَرانيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملك، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
وحدَّثنا الحسنُ
الزَّعْفَرانيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملك، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُتَفَرِّسين.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: المتوسِّمين المتفرِّسين. قال: توسَّمتُ فيك الخيرَ نافلةً.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
رَ نافلةً.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمتَفَرِّسين.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقولُ: للناظرين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: لِلْمُتَوَسَمِينَ﴾. قال: للناظرين.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ
لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: للمُعْتَبِرين.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُعْتَبِرين.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى حسنُ بنُ مالكٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا فراسة المؤمنِ، فإنه يَنْظُرُ بنور الله".
الكٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا فراسة المؤمنِ، فإنه يَنْظُرُ بنور الله". ثم قال النبيُّ ﷺ: " ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ".
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ مولى بنى هاشمٍ، قال: ثنا عمرُو بن قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطية، عن أبي سعيدٍ، عن رسول الله ﷺ بمثله.
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا الفُراتُ بنُ السائبِ، قال: ثنا ميمونُ بن مهران، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "اتَّقُوا فِرَاسةً المؤمن، فإن المؤمنَ يَنظُرُ بنور الله".
حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى سعيدٌ بنُ محمدٍ الجرميُّ، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ واصلٍ، قال: ثنا أبو بشرٍ المُزلَّقُ، عن ثابت البنانيٍّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إِنَّ للهِ عبادًا يَعْرِفون الناسَ بالتَّوَسُّم".
الواحد بنُ واصلٍ، قال: ثنا أبو بشرٍ المُزلَّقُ، عن ثابت البنانيٍّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إِنَّ للهِ عبادًا يَعْرِفون الناسَ بالتَّوَسُّم".
حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: المتفكِّرون والمعتبِرون الذين يَتَوَسَّمون الأشياءَ، ويَتَفَكرون فيها ويَعْتَبِرون.
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقول: للناظرين.
حدَّثني أبو شرحبيلٍ الحمصيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سلمة، قال: ثنا المؤملُ بنُ سعيد بن يوسف الرحبيُّ، قال: ثنا أبو المعلَّى أسدُ بنُ وداعة الطائيُّ، قال: ثنا وهبُ بن منبِّهٍ، عن طاوس بن كيسان، عن ثَوْبانَ، قال: قال رسول الله ﷺ: "احْذَروا فِراسةَ المؤمن، فإنه يَنْظُرُ بنورِ اللَّهِ، ويَنْطِقُ بتوفيقِ اللَّهِ".
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾
يقول: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عَنان السماء ثم قلْبها، وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. وقد تقدم الكلام على السجيل في [سورة] هود بما فيه كفاية.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) أي: إن آثار هذه النقم ظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين.
ل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتأملين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العَبْدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ "اتقوا فِرَاسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ النبي ﷺ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)
رواه الترمذي، وابن جرير، من حديث عمرو بن قيس الملائي وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر بنور الله"
ثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر بنور الله"
وقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحِمْصِيّ، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المُؤَمَّل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن مُنَبِّه، عن طاوس بن كَيْسَان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله"
وقال أيضًا: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: "إن لله عبادًا
يعرفون الناس بالتوسم"
ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"
ثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم"
وقوله: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة لبطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]
وقال مجاهد، والضحاك: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) قال: مُعَلَّم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.
وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ولكن ليس المعنى على ما قال هاهنا، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفًا بأنه لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في ص أيضًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وقوله في سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وهم الذين احترز منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وبين تعالى في مواضع آخر أَنّ الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ