القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كذَّب سكانُ الحجرِ. وجُعِلوا - لشُكْناهم فيها ومُقامِهم بها - أصحابَها، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]. فجعَلهم أصحابَها؛ لسُكناهم فيها ومُقامِهم بها. والحِجْرُ: مدينةُ ثمودَ.
وكان قتادةُ يقولُ في معنى الحِجْرِ ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾.
ةُ ثمودَ.
وكان قتادةُ يقولُ في معنى الحِجْرِ ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾. قال: أصحابُ الوادى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ وهو يَذْكُرُ الحِجْرَ مساكنَ ثمودَ، قال: قال سالمُ بنُ عبدِ اللهِ: إن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال: مرَرنا مع النبيِّ ﷺ على الحِجْرِ، فقال لنا رسولُ اللهِ ﷺ: "لا تَدْخُلوا مساكنَ الذين ظلَموا أنفسَهم إلا أن تكونوا باكين، حَذَرًا أن يُصِيبَكم مثلُ ما
أصابَهم". ثم زجَر فأسْرَع حتى خلَّفَها.
حدَّثنا زكريا بنُ يَحيى بن أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ بن أبي عبادٍ المكيُّ، قال: ثنا داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن خثيمٍ، عن ابن سابطٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال وهو بالحِجْرِ: "هؤلاء قومُ صالحٍ أهلَكهم اللهُ إلا رجلًا كان في حرَمِ اللَّهِ، منَعه حرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ".
دِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال وهو بالحِجْرِ: "هؤلاء قومُ صالحٍ أهلَكهم اللهُ إلا رجلًا كان في حرَمِ اللَّهِ، منَعه حرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ". قيل: يا رسولَ اللَّهِ مَن هو؟ قال: "أبو رِغالٍ".
وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ: وأريناهم أدلتَنا وحُجَجَنا على حقيقةِ ما بعَثْنا به إليهم رسولَنا صالحًا، فكانوا عن آياتِنا التي آتيناهموها مُعْرِضين، لا يَعْتَبرون بها ولا يَتَّعِظون.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾
أصحاب الحجر هم: ثمود الذين كذبوا صالحا نبيهم، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين؛ ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين.
وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح، كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء فكانت تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم.
م من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح، كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء فكانت تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم. فلما عَتَوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]
وذكر تعالى: أنهم (كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرا وبطرا وعبثا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر، الذي مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك فَقَنَّع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم"
ب إلى تبوك فَقَنَّع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم"
وقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) أي: وقت الصباح من اليوم الرابع، (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضَنُّوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفًا بأنه لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في ص أيضًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وقوله في سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وهم الذين احترز منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وبين تعالى في مواضع آخر أَنّ الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر -وهم ثمود- آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض: الصدود عن الشيء وعدم الالتفات إليه، كأنه مشتق من العرض -بالضم- وهو الجانب؛ لأن المعرض لا يولي وجهه، بل يثني عطفه ملتفتًا صادًا.
ولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة: كخروجها عشراء، وبراء، جوفاء من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعًا، وكثرة شربها؛ كما قال تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ وقال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾.