Dan adapun kaum Samud, mereka telah Kami beri petunjuk tetapi mereka lebih menyukai kebutaan (kesesatan) daripada petunjuk itu, maka mereka disambar petir sebagai azab yang menghinakan disebabkan apa yang telah mereka kerjakan
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: [وأمَّا ثمود] فبينا لهم سبيلَ الحقِّ وطريقَ الرشدِ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: بيَّنا لهم.
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. أي: بيَّنا لهم سبيلَ الخيرِ والشرِّ].
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: بيَّنا لهم.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: بيَّنا لهم.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. قال: أعلَمْناهم الهدى والضلالة، ونهيناهم أن يتَّبعوا الضلالةَ، وأمرناهم أن يتَّبِعوا الهدى.
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿ثَمُودُ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الأعمشِ وعبد اللَّهِ بن أبي إسحاقَ برفعِ "ثمودُ"، وتركِ إجرائِها، على أنها اسمٌ للأمةِ التي تُعرَفُ بذلك. وأما الأعمشُ فإنه ذُكِر عنه أنه كان يُجرِى ذلك في القرآنِ كلِّه إلا في قولِه: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]. فإنه كان لا يُجريه في هذا الموضعِ خاصةً من أجلِ أنه في خطِّ المصحفِ في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ، وكان يوجهُ "ثمودَ" إلى أنه اسمُ رجلٍ بعينِه معروفٍ، أو اسمُ جبلٍ معروفٍ.
في هذا الموضعِ خاصةً من أجلِ أنه في خطِّ المصحفِ في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ، وكان يوجهُ "ثمودَ" إلى أنه اسمُ رجلٍ بعينِه معروفٍ، أو اسمُ جبلٍ معروفٍ. وأما ابن إسحاقَ فإنه كان يقرؤُه: (وأما ثمود) نصبًا بغيرِ إجراءٍ.
وذلك وإن كان له في العربية وجهٌ، فإن أفصحَ منه وأصحَّ في الإعرابِ عندَ أهلِ العربيةِ الرفعُ؛ لطلبِ "أمّا" الأسماءَ، وأن الأفعالَ لا تليها، وإنما تُعمِلُ العربُ الأفعالَ التي بعدَ الأسماءِ فيها إذا حسُن تقديمُها قبلَها، والفعلُ في "أمَّا" لا يحسُنُ تقديمهُ قبلَ الاسمِ، ألا ترَى أنه لا يقالُ: وأما هدَينا فثمودَ. كما يقالُ: (وأمَّا ثَمُودَ فَهَديْناهُمْ).
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفعُ وتركُ الإجراءِ، أما الرفعُ فلِما وصَفتُ، وأما تركُ الإجراءِ فلأنه اسمُ الأمةِ.
وقولُه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
في ذلك عندنا الرفعُ وتركُ الإجراءِ، أما الرفعُ فلِما وصَفتُ، وأما تركُ الإجراءِ فلأنه اسمُ الأمةِ.
وقولُه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. يقولُ: فاختاروا العمَى على البيانِ الذي بيَّنتُ لهم، والهدى الذي عرَّفتُهم، بأخذِهم طريقَ الضلالِ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾.
يعنى: على البيانِ الذي بيَّنْتُه لهم، من توحيدِ اللَّهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: اختارُوا الضلالةَ والعمَى على الهدى.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
قال: أرسَل اللَّهُ إليهم الرسلَ بالهدى، فاستحَبُّوا العمَى على الهدى.
حَّدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾.
اللَّهُ إليهم الرسلَ بالهدى، فاستحَبُّوا العمَى على الهدى.
حَّدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾. يقولُ: بيَّنا لهم، فاستحبُّوا العمَى على الهدى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: استحبُّوا الضلالةَ على الهدى. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾. إلى آخر الآية [الأنعام: ١٠٨]. قال: فزُيِّن لثمودَ عملُها القبيحُ. وقرَأ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [فاطر: ٨].
وقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فأهَلَكتهم من العذابِ المذلِّ المهينِ لهم مُهْلكةٌ أَذلَّتْهم وأَخْزَتْهم. والهُونُ: هو الهوانُ.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:
﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾.
هينِ لهم مُهْلكةٌ أَذلَّتْهم وأَخْزَتْهم. والهُونُ: هو الهوانُ.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:
﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. قال: الهوانُ.
وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الآثامِ بكفرِهم باللَّهِ قبلَ ذلك، وخلافِهم إياه، وتكذيبِهم رسلَه.
وقولُه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ونجَّينا من العذابِ الذي أخَذهم بكفرِهم باللَّهِ الذين وحَّدوا اللَّهَ، وصدَّقوا رسلَه ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقولُ: وكانوا يخافون اللَّهَ أن يُحِلُّ بهم من العقوبةِ على كفرِهم لو كفَروا، ما حلَّ بالذين هلَكوا منهم، فآمَنوا اتِّقاءَ اللَّهِ وخوفَ وعيدِه، وصدَّقوا رسلَه، وخلَعوا الآلهةَ والأندادَ.
ى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين (صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) أي: ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما. (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل
قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل
يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً) أي: لو أرسل الله رسلا لكانوا ملائكة من عنده، (فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أي: أيها البشر (كَافِرُونَ) أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا.
قال الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ [بِغَيْرِ الحَقٍّ]) أي: بغوا وعتوا وعصوا، (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة؟
نهم يمتنعون به من بأس الله! (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة.
رزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت.
والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصرا لقوة صوت جريه.
كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصرا لقوة صوت جريه.
وقوله: (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) أي: متتابعات، ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، كقوله ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، أي: ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى) [أي] أشد خزيا لهم، (وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) أي: في الأخرى، كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال.
وقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بينا لهم.
وقال الثوري: دعوناهم.
النكال.
وقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بينا لهم.
وقال الثوري: دعوناهم.
(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) أي: بصرناهم، وبينا لهم، ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ﷺ، فخالفوه وكذبوه، وعقروا ناقة الله التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ) أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا وعذابا ونكالا (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: من التكذيب والجحود.
(وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [وَكَانُوا يَتَّقُونَ]) أي: من بين أظهرهم، لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله مع نبيهم صالح [﵇] بإيمانهم، وتقواهم لله، ﷿.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ المراد بالهدى فيه هدى الدلالة والبيان والإِرشاد، لا هدى التوفيق والاصطفاء.
والدليل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ لأنها لو كانت هداية توفيق لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى العمى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي اختاروا الكفر على الإِيمان، وآثروه عليه، وتعوضوه منه.
وهذا المعنى الذي ذكرنا يوضحه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ فقوله في آية التوبة هذه: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ موافق في المعنى لقوله هنا: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
ِيمَانِ﴾ فقوله في آية التوبة هذه: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ موافق في المعنى لقوله هنا: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
فلفظة "استحب" في القرآن كثيرًا ما تتعدى بِـ (على)؛ لأنها في معنى اختار وآثر.
وقد قدمنا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى﴾ الآية، أن العمى الكفر، وأن المراد بالأعمى في آيات عديدة الكافر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الهدى يأتي في القرآن بمعناه العام، الذي هو البيان والدلالة والإِرشاد، لا ينافي أن الهدى قد يطلق في القرآن في بعض المواضع على الهدى الخاص الذي هو التوفيق والاصطفاء، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
قد يطلق في القرآن في بعض المواضع على الهدى الخاص الذي هو التوفيق والاصطفاء، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
فمن إطلاق القرآن الهدى على معناه العام قوله هنا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بينا لهم طريق الحق وأمرناهم بسلوكها، وطرق الشر ونهيناهم عن سلوكها، على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي اختاروا الكفر على الإِيمان بعد إيضاح الحق لهم.
ومن إطلاقه على معناه العام قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ بدليل قوله بعده: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾؛ لأنه لو كان هدى توفيق لما قال: ﴿وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.
ومن إطلاقه على معناه الخاص قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
وبمعرفة هذين الإِطلاقين تتيسر إزالة إشكال قرآني، وهو أنه
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
وبمعرفة هذين الإِطلاقين تتيسر إزالة إشكال قرآني، وهو أنه
تعالى أثبت الهدى لنبينا ﷺ في آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾، ونفاه عنه في آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
فيعلم مما ذكرنا: أن الهدى المثبت له ﷺ هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإِرشاد، وقد فعل ذلك ﷺ، فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها هالك.
أن الهدى المثبت له ﷺ هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإِرشاد، وقد فعل ذلك ﷺ، فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها هالك.
والهدى المنفي عنه في آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق؛ لأن ذلك بيد الله وحده، وليس بيده ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآيه وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية، لا منافاة فيه بين عموم الناس في هذه الآية وخصوص المتقين في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾؛ لأن الهدى العام للناس هو الهدى العام، والهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، كما لا يخفى.
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾؛ لأن الهدى العام للناس هو الهدى العام، والهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، كما لا يخفى.
وقد بينا هذا في غير هذا الموضع. والعلم عند الله تعالى.
•
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية.
الفاء في قوله: (فأخذتهم) سببية، أي فاستحبوا العمى على الهدى، وبسبب ذلك أخذتهم صاعقة العذاب الهون.
واعلم أن الله جل وعلا عبر عن الهلاك الذي أهلك به ثمود
بعبارات مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾، وقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾.
وعبر عنه أيضًا بالصاعقة في سورة الذاريات في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾.
﴾.
وعبر عنه بالعذاب في سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ الآية.
ومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم صيحة أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك.
والصاعقة تطلق أيضًا على الصوت المزعج المهلك، وعلى النار المحرقة، وعليهما معًا، ولشدة عظم الصيحة وهولها من فوقهم، رجفت بهم الأرض من تحتهم، أي تحركت حركة قوية، فاجتمع فيها أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميرًا واضح.
ليهما معًا، ولشدة عظم الصيحة وهولها من فوقهم، رجفت بهم الأرض من تحتهم، أي تحركت حركة قوية، فاجتمع فيها أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميرًا واضح. وقيل لها طاغية؛ لأنها واقعة مجاوزة للحد في القوة وشدة الإِهلاك.
والطغيان في لغة العرب: مجاوزة الحد.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ الآية، أي جاوز الحطدود التي يبلغها الماء عادة.
واعلم أن التحقيق أن المراد بالطاغية في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ أنها الصيحة التي أهلكهم الله بها، كما يوضحه قوله بعده: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾.
خلافًا لمن زعم أن الطاغية مصدر، كالعاقبة والعافية، وأن المعنى أنهم أهلكوا بطغيانهم، أي بكفرهم وتكذيبهم نبيهم، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾.
وخلافًا لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم، الذي انبعث فعقر الناقة، وأنهم أهلكوا بسبب فعله وهو عقره الناقة.
م، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾.
وخلافًا لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم، الذي انبعث فعقر الناقة، وأنهم أهلكوا بسبب فعله وهو عقره الناقة.
وكل هذا خلاف التحقيق، والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، والسياق يدل عليه، واختاره غير واحد.
وأما قوله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ فإنه لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن معنى دمدم عليهم ربهم بذنبهم، أي أطلق عليهم العذاب وألبسهم إياه، بسبب ذنبهم.
قال الزمخشري في معنى دمدم: وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة، إذا ألبسها الشحم.
وأما إطلاق العذاب عليه في سورة الشعراء فواضح، فاتضح رجوع معنى الآيات المذكورة إلى شيء واحد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ من النعت بالمصدر؛ لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإِفراد والتذكيرا
وهو موجه بأحد أمرين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف.
ر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله:
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإِفراد والتذكيرا
وهو موجه بأحد أمرين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف. أي العذاب ذي الهون.
والثاني: أنه على سبيل المبالغة، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان اللاحق بمن وقع عليه، صار كأنه نفس الهوان، كما هو معروف في محله.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ كالتوكيد في المعنى لقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾؛ لأن كلا منهما سبب لأخذ الصاعقة إياهم، فالفاء في قوله: (فأخذتهم) سببية، والباء في قوله: (بما كانوا) سببية، والعلم عند الله تعالى.
•