Dan sesungguhnya Kami mengetahui bahwa mereka berkata, "Sesungguhnya Alquran itu hanya diajarkan oleh seorang manusia kepadanya (Muhammad)." Bahasa orang yang mereka tuduhkan (bahwa Muhammad belajar) kepadanya adalah bahasa 'Ajam,464) padahal ini (Alquran) adalah dalam bahasa Arab yang jelas
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نعلَمُ أن هؤلاء المشركين يقولون، جهلًا منهم: إنما يُعلِّمُ محمدًا هذا الذى يتْلوه بشرٌ مِن بنى آدمَ، وما هو من عندِ اللهِ. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه مكذِّبَهم فى قيلِهم ذلك: أَلَا تَعْلَمون كذِبَ ما تقولون. إن لسانَ الذى تُلْحِدون إليه. يقولُ: تميلون إليه بأنه يُعَلِّمُ محمدًا، أَعْجَمِيٌّ. وذلك أنهم، فيما ذُكِر، كانوا يزعُمون أن الذى يُعلِّمُ محمدًا هذا القرآن عبدٌ روميٌّ؛ فلذلك قال تعالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
الذى يُعلِّمُ محمدًا هذا القرآن عبدٌ روميٌّ؛ فلذلك قال تعالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وهذا القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبينٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في اسمِ الذي كان المشركون يزعُمون أنه يُعَلِّمُ محمدًا هذا القرآنَ من البشرِ؛ فقال بعضُهم: كان اسمَه بَلْعامُ، وكان قَيْنًا بمكةَ نصرانيًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطَّوسِيُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن مسلمِ بن عبدِ اللهِ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُعلِّمُ قَيْنًا بمكةَ، وكان أعجميَّ اللسانِ، وكان اسمَه بَلْعامُ، فكان المشركون يروْن رسولَ اللهِ ﷺ حينَ يدخُلُ عليه، وحينَ يَخرُجُ مِن عندِه، فقالوا: إنما يُعَلِّمُه بَلْعامُ.
مَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾. وقد قالت قريشٌ: إنما يُعلِّمُه بشرٌ؛ عبدٌ لبنى الحَضْرميِّ يقالُ له: يعيشُ. قال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وكان يعيشُ يقرَأُ الكُتُبَ
وقال آخرون: بل كان اسمَه جَبْرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ -فيما بَلَغَنى- كثيرًا ما يجلِسُ عندَ المَرْوَةِ إلى غلامٍ نَصْرانِيٍّ يُقالُ له: جَبْرٌ. عبدٌ [لبعضِ بني الحَضْرميِّ]، فكانوا يقولون: واللهِ ما يُعلِّمُ محمدًا كثيرًا مما يأتى به إلا جبرٌ النصرانيُّ غلامُ الحضْرميِّ.
سلمٍ، قال: كان لنا غلامان وكانا يَقْرآن كتابًا لهما بلسانِهما، فكان النبيُّ ﷺ يَمُرُّ عليهما، فيقومُ يَسْتَمِعُ منهما، فقال المشركون: يتعلَّمُ منهما. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه ما كذَّبهم به، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وقال آخرون: بل كان ذلك سَلْمَانَ الفارسيَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾.
حسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾. كانوا يقولون: إنما يُعَلِّمُه سَلْمانُ الفارسيُّ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن
ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. قال: قولُ كفارِ قريشٍ: إنما يُعَلِّمُ محمدًا عبدُ ابنِ الحَضْرَميِّ، وهو صاحبُ كتابٍ.
َدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. قال: قولُ كفارِ قريشٍ: إنما يُعَلِّمُ محمدًا عبدُ ابنِ الحَضْرَميِّ، وهو صاحبُ كتابٍ. يقولُ اللهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وقيل: إن الذى قال ذلك: رجلٌ كاتِبٌ لرسولِ اللهِ ﷺ ارْتَدَّ عن الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيبِ أن الذى ذكَر اللهُ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ إنما افْتَتَن؛ أنه كان يَكْتُبُ الوَحْيَ، فكان يُمْلِى عليه رسولُ اللهِ ﷺ: "سميعٌ عليمٌ" أو "عزيزٌ حكيمٌ"، وغيرَ ذلك مِن خواتِمِ الآيِ، ثم يَشْتَغِلُ عنه رسولُ اللهِ ﷺ وهو على الوَحْيِ، فيَسْتَفْهِمُ رسولَ اللهِ ﷺ، فيقولُ: "عزيزٌ حكيمٌ" أو "سميعٌ عليمٌ" أو "عزيزٌ عليمٌ"؟ فيقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: "أيَّ ذلك كَتَبْتَ فهو كذلك". ففَتَنَه ذلك، فقال: إن محمدًا يَكِلُ ذلك إليَّ، فأكْتُبُ ما شئتُ.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت: أن محمدًا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، فربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يَرُد جواب الخطاب فيما لا بد منه؛ فلهذا قال الله تعالى رادًا عليهم في افترائهم ذلك: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) يعني: القرآن أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فَصَاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة، التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟!
: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فَصَاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة، التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟! لا يقول هذا من له أدنى مُسْكة من العقل.
قال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة: كان رسول الله ﷺ -فيما بلغني-كثيرًا ما يجلس
عند المروة إلى مَبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، [فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بن الحضرمي] فأنزل الله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)
وكذا قال عبد الله بن كثير: وعن عِكْرِمة وقتادة: كان اسمه يعيش.
َرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)
وكذا قال عبد الله بن كثير: وعن عِكْرِمة وقتادة: كان اسمه يعيش.
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلم قَينًا بمكة، وكان اسمه بلغام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، قالوا: إنما يعلمه بلغام، فأنزل الله هذه الآية: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ).
وقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبي ﷺ يمر بهما، فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية.
ه بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبي ﷺ يمر بهما، فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية.
وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فارتد بعد ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة، قبحه الله!.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾.
أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم أن الكفار يقولون: إن هذا القرآن الذي جاء به النبي ﷺ ليس وحيًا من الله، وإنما تعلمه من بشر من الناس.
وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ أي: يرويه محمد ﷺ عن غيره، وقوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآية. كما تقدم (في الأنعام).
وقد اختلف العلماء في تعيين هذا البشر الذي زعموا أنه يعلم النبي ﷺ، وقد صرح القرآن بأنه أعجمي اللسان؛ فقيل: هو غلام
الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيًا فأسلم. وقيل: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤي. قيل: هما غلامان: اسم أحدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتابًا لهم.
أ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤي. قيل: هما غلامان: اسم أحدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتابًا لهم. وقيل: كانا يقرآن التوراة والإنجيل، إلى غير ذلك من الأقوال.
وقد بين جل وعلا كذبهم وتعنتهم في قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ أي: كيف يكون تعلمه من ذلك البشر، مع أن ذلك البشر أعجمي اللسان، وهذا القرآن عربي مبين فصيح، لا شائبة فيه من العجمة؛ فهذا غير معقول.
وبين شدة تعنتهم أيضًا بأنه لو جعل القرآن أعجميًا لكذبوه أيضًا، وقالوا: كيف يكون هذا القرآن أعجميًا مع أن الرسول الذي أنزل عليه عربي؛ وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: أقرآن أعجمي، ورسول عربي.
وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: أقرآن أعجمي، ورسول عربي. فكيف ينكرون أن القرآن أعجمي والرسول عربي، ولا ينكرون أن المعلم المزعوم أعجمي، مع أن القرآن المزعوم تعليمه له عربي.
كما بين تعنتهم أيضًا بأنه لو نزل هذا القرآن العربي المبين، على أعجمي فقرأه عليهم عربيًا لكذبوه أيضًا، مع ذلك الخارق للعادة؛ لشدة عنادهم وتعنتهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ أي: يميلون عن
الحق. والمعنى لسان البشر الذي يلحدون، أي: يميلون قولهم عن الصدق والاستقامة إليه = أعجمي غير بين، وهذا القرآن لسان عربي مبين، أي: ذو بيان وفصاحة.
ن عن
الحق. والمعنى لسان البشر الذي يلحدون، أي: يميلون قولهم عن الصدق والاستقامة إليه = أعجمي غير بين، وهذا القرآن لسان عربي مبين، أي: ذو بيان وفصاحة. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بفتح الياء والحاء، من الحد الثلاثي، وقرأ الباقون: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسر الحاء من الحد الرباعي، وهما لغتان، والمعني واحد؛ أي: يميلون عن الحق إلى الباطل. وأما: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ التي في (الأعراف، والتي في فصلت) فلم يقرأهما بفتح الياء والحاء إلا حمزة وحده دون الكسائي، وإنما وافقه الكسائي في هذه التي في (النحل) وأطلق اللسان على القرآن لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام؛ فتؤنثها وتذكرها، ومنه قول أعشي باهلة:
إن أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر
وقول الآخر:
لسان الشر تهديها إلينا ... وخنت وما حسبتك أن تخونا
وقول الآخر:
أتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ أي: ثناء حسنًا باقيًا.
وقول الآخر:
أتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ أي: ثناء حسنًا باقيًا. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكرًا قول الحطيئة:
ندمت على لسان فات مني ... فليت بأنه في جوف عكم
• قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.
قال بعض أهل العلم: إن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري ﵀، نقله عنهم ابن كثير وغيره.
به الله لأهل مكة، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري ﵀، نقله عنهم ابن كثير وغيره.
وهذه الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية: تتفق مع صفات أهل مكة المذكورة في القرآن؛ فقوله عن هذه القرية: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ قال نظيره عن أهل مكة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ الآية.
الشتاء كانت إلى اليمن، ورحلة الصيف كانت إلى الشام، وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين أموال وأرزاق، ولذا أتبع الرحلتين بامتنانه عليهم: بأن أطعمهم من جوع. وقوله في دعوة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ ذكر نظيره عن أهل مكة في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾.
وقد قدمنا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية.
حَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾.
وقد قدمنا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وقع نظيره قطعًا لأهل مكة، لما لجوا في الكفر والعناد، ودعا عليهم رسول الله ﷺ، وقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف والعلهز "وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه" وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن، وذلك الخوف من جيوش رسول الله ﷺ، وغزواته وبعوثه وسراياه. وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات، فقد فسر ابن مسعود آية "الدخان" بما يدل على ذلك.
قال البخاري في صحيحه: باب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ فارتقب: فانتظر.
حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: مضي خمس: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام.
ينٍ (١٠)﴾ فارتقب: فانتظر.
حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: مضي خمس: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام. ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾.
حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشًا لما
استعصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف؛ فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيري ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ فأتي رسول الله ﷺ فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت! قال: "لمضر! إنك لجريء!
مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ فأتي رسول الله ﷺ فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت! قال: "لمضر! إنك لجريء! " فاستسقي فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ يعني يوم بدر.
باب قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، إن الله قال لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ إن قريشًا لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه قال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا
فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) -إلى قوله جل ذكره- إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ انتهى بلفظه من صحيح البخاري.
وفي تفسير ابن مسعود ﵁ لهذه الآية الكريمة - ما
يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في "سورة النحل" من لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع، لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:
تفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق
وكما هو معروف عند أهل العلم.
صحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:
تفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق
وكما هو معروف عند أهل العلم. وقد قدمنا ذلك في "سورة البقرة" في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
وقد ثبت في صحيح مسلم، أن الدخان من أشراط الساعة. ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضي، والدخان المستقبل جمعًا بين الأدلة. وقد قدمنا أن التفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن حمل الآية على جميعها فهو أولى.
على الدخانين: الدخان الذي مضي، والدخان المستقبل جمعًا بين الأدلة. وقد قدمنا أن التفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن حمل الآية على جميعها فهو أولى. وقد قدمنا أن ذلك هو الذي حققه أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن بأدلته.
وأما الخوف المذكور في آية النحل: فقد ذكر جل وعلا مثله عن أهل مكة أيضًا على بعض تفسيرات الآية الكريمة التي هي: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ فقد جاء عن جماعة من السلف تفسير القارعة التي تصيبهم بسرية من سرايا رسول الله ﷺ.
قال صاحب الدر المنثور: أخرج الفريابي وابن جرير، وابن
مردويه عن طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: السرايا.
قال صاحب الدر المنثور: أخرج الفريابي وابن جرير، وابن
مردويه عن طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: السرايا.
وأخرج الطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، من طريق سعيد بن جبير ﵁، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال: أنت يا محمد ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتح مكة.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد ﵁ في قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية من سرايا رسول الله ﷺ ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ يا محمد ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد ﵁ قال: "القارعة" السرايا ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال: الحديبية ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتح مكة.
يهقي في الدلائل، عن مجاهد ﵁ قال: "القارعة" السرايا ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال: الحديبية ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتح مكة.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﵁ في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ الآية - نزلت بالمدينة في سرايا النبي ﷺ، أو تحل أنت يا محمد قريبًا من دارهم اهـ محل الغرض منه.
فهذا التفسير المذكور في آية (الرعد) هذه، والتفسير المذكور قبله في آية (الدخان) يدل على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق بالجوع، وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف، كما قال في القرية
آية (الرعد) هذه، والتفسير المذكور قبله في آية (الدخان) يدل على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق بالجوع، وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف، كما قال في القرية
المذكورة: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ وقوله في القرية المذكورة: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ الآية - لا يخفي أنه قال مثل ذلك عن قريش في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
ْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
والآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جدًا، كقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.
فمجموع ما ذكرنا يؤيد قول من قال: إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلًا في آية (النحل) هذه: هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها: أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها قتل عثمان ﵁.
وقال بعض العلماء: هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلًا للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان.
الت ذلك لما بلغها قتل عثمان ﵁.
وقال بعض العلماء: هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلًا للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول: إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ الآية.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا المثل، وألا يقابل نعم الله بالكفر والطغيان؛ لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكورة، ولكن الأمثال
لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علمًا، لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.
وفي قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قَرْيَةً﴾ وجهان من الإعراب.
أحدهما: أنه بدل من قوله: ﴿مَثَلًا﴾.
الثاني: أن ﴿وَضَرَبَ﴾ مضمن معنى جعل، وأن ﴿قَريَةً﴾ هي المفعول الأول ، و ﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني، وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله: ﴿كَانَتْ آمِنَةً ..
ل، وأن ﴿قَريَةً﴾ هي المفعول الأول ، و ﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني، وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله: ﴿كَانَتْ آمِنَةً ..﴾ الخ.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُّطمَئِنَّةً﴾ أي: لا يزعجها خوف؛ لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف.
وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي: واسعًا لذيذًا. والأنعم قيل: جمع نعمة كشدة وأشد، أو على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس كما تقدم في (سورة الأنعام) في الكلام على قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغُ أَشُدَّهُ﴾ الآية.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ .. ﴾ الآية. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ .. ﴾ الآية. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس! هب أن محمدًا ﷺ ما كان نبيًا! أما كان عربيًا؟
قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ .. ﴾ الآية. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس! هب أن محمدًا ﷺ ما كان نبيًا! أما كان عربيًا؟.
قال مقيده -عفا الله عنه-: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كاللباس. ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبر به عن آثار الجوع والخوف أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة. وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول: إن في القرآن مجازًا، وأوضحنا ذلك بأدلته وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازًا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.
وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة؛ يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له.
زًا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.
وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة؛ يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف الذي هو الإذاقة ملائمًا للمستعار له الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جري عندهم مجري الحقيقة لكثرة الاستعمال؛ فيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما، فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فكساها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى "ترشيحًا" والكسوة تلائم
اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة.
ا؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى "ترشيحًا" والكسوة تلائم
اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة. قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ؛ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، بذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحًا.
وقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة؛ فإنه أولًا استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار والذبول والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعارًا لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختيار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف؛ وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع والخوف استعارة تبعية.
في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف؛ وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع والخوف استعارة تبعية.
وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق، وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال؛ كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
وقول الأعشى:
إذا ما الضجيع ثني عطفها ... تثنت علية فكانت لباسا
وكلها أساليب عربية. ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر عنه باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.
•