القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ فى كتابِنا هذا إدريسَ، [فاقصُصْ خبَرَه]، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقولُ الكذبَ، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحِى إليه من أمْرِنا ما نشاءُ
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. ذُكِر أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه رفعَه وهو حىٌّ إلى السماءِ الرابعةِ، فذلك معنى قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. يعنى به: إلى مكانٍ ذى علوٍّ وارتفاعٍ.
وقال بعضُهم: رُفِع إلى السماءِ السادسةِ.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأل
ابن عباسٍ كعبًا وأنا حاضرُه، فقال له: ما قولُ اللَّهِ لإدريسَ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأل
ابن عباسٍ كعبًا وأنا حاضرُه، فقال له: ما قولُ اللَّهِ لإدريسَ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. فقال كعبٌ: أمَّا إدريسُ، فإنَّ الله أوحَى إليه: إنِّي أرفعُ لك في كلِّ يومٍ مثلَ جميعِ عمل بنى آدمَ فأحَبَّ أنْ يزدادَ عملًا، فأتاه خليلٌ له من الملائكةِ، فقال: إنَّ الله أوحَى إليَّ كذا وكذا، فكلِّمْ لى ملَكَ الموتِ فليؤخِّرْنى حتى أزدادَ عملًا. فحمَله بين جناحَيهِ، ثم صعِد به إلى السماءِ؛ فلما كان في السماءِ الرابعةِ، تلقَّاهم ملَكُ الموتِ منحدِرًا، [فكلَّمه، وكلَّمه] ملَكُ الموتِ في الذي كلَّمه فيه إدريسُ؟ فقال: وأينَ إدريسُ. قال: هو ذا هو على ظهرِى. قال ملَكُ الموتِ: فالعجبُ، بعِثتُ [وقِيلَ لى]: اقبضْ رُوحَ إدريسَ في السماءِ الرابعةِ. فجعلتُ أقولُ: كيف أقبضُ رُوحَه في السماءِ الرابعة وهو في الأرضِ؟
ل ملَكُ الموتِ: فالعجبُ، بعِثتُ [وقِيلَ لى]: اقبضْ رُوحَ إدريسَ في السماءِ الرابعةِ. فجعلتُ أقولُ: كيف أقبضُ رُوحَه في السماءِ الرابعة وهو في الأرضِ؟ فقبَض رُوحَه هناك، فذلك قولُ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: إدريسُ رُفع فلم يَمُتْ، كما رُفع عيسى.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنَّه قال: ولم يَمُتْ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
أنَّه قال: ولم يَمُتْ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: رفعِ إلى السماءِ السادسةِ، فمات فيها.
وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: إدريسُ أدركَه الموتُ في السماءِ السادسةِ.
وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: السماءَ الرابعةَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ الخدري ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
ل: السماءَ الرابعةَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ الخدري ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: في السماءِ الرابعةِ.
وحدَّثنا على بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيره - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لمَّا أُسْرِى بالنبيِّ ﷺ صعِد به جبريلُ إلى السماءِ الرابعةِ،
فاستفتحَ فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قالوا: ومَن معكَ؟ قال: محمدٌ. قالوا: وَقَد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ ومِنْ خليفةٍ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المجيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: هذا إدريسُ، رفَعَه اللهُ مكانًا عليًّا.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ حدثَّ، أنَّه لما عُرج به إلى السماءِ قال: أتيتُ على إدريس في السماءِ الرابعةِ.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.
وهذا ذكر إدريس، ﵇، بالثناء عليه، بأنه كان صديقًا نبيًّا، وأن الله رفعه مكانًا عليًّا. وقد تقدم في الصحيح: أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة.
وقد روى ابن جرير هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شَمِر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله ﷿-لإدريس: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فَلْيؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم مَلَك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين
عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم مَلَك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس
في السماء الرابعة. فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا).
هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله -يعني: ملك الموت-كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل وذكر باقيه، وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، ثم نظر، قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض، ﵇، وهو لا يشعر به.
قال: لا أدري حتى أنظر، ثم نظر، قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض، ﵇، وهو لا يشعر به.
ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس: أن إدريس كان خياطًا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: "سبحان الله"، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه. وذكر بقيته كالذي قبله، أو نحوه.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) قال: إدريس رفع ولم يمت، كما رفع عيسى.
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) قال: [رفع إلى] السماء الرابعة.
وقال العوفي عن ابن عباس: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك بن مُزَاحم.
وقال الحسن، وغيره، في قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) قال: الجنة.