القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: هذه الجنةُ التي وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ صِفَتَها، هي الجنةُ التي نُورِثُها. يقولُ: نُورِثُ مساكِنَ أهلِ النارِ فيها من عِبادِنا ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾. يقولُ: من كان ذا اتِّقاءٍ عقابَ اللَّهِ بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.
يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم، هي (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: إقامة (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ) بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] أي: كائنا لا محالة.
وقوله هاهنا: (مَأْتِيًّا) أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه.
ومنهم من قال: (مَأْتِيًّا) بمعنى: آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت عليّ خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى [واحد]
يأتونه.
ومنهم من قال: (مَأْتِيًّا) بمعنى: آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت عليّ خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى [واحد]
وقوله: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) أي: هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.
وقوله: (إِلا سَلامًا) استثناء منقطع، كقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]
وقوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أي: في مثل وقت البُكُرات ووقت العَشيّات، لا أن هناك ليلا أو نهارًا ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد:
َعَشِيًّا) أي: في مثل وقت البُكُرات ووقت العَشيّات، لا أن هناك ليلا أو نهارًا ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زُمْرَة تلج الجنة صُورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصُقون فيها، ولا يتمخطون فيها، ولا يَتَغَوّطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألْوّة، ورَشْحُهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مُخّ ساقيهما من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا".
أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا" تفرد به أحمد من هذا الوجه.
، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا" تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال: مقادير الليل والنهار.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وبفتح الأبواب.
وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم، عن خُلَيْد، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة، فقال: أبواب يُرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فَتُهَمْهِم انفتحي انغلقي، فتفعل.
وقال قتادة في قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): فيها ساعتان: بكرة وعشي: ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.
ي انغلقي، فتفعل.
وقال قتادة في قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): فيها ساعتان: بكرة وعشي: ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.
وقال مجاهد ليس [فيها] بكرة ولا عشي، ولكن يُؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.
وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: كانت العرب، الأنْعَم فيهم، من يتغدّى ويتعشى، ونزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم، فقال تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)
وقال ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شَمْشَاط عن عبد الله بن جرير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران"
ي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران"
قال أبو محمد: هذا حديث منكر.
[وقوله تعالى] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله ﷿-في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]
َّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣). ... ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات،
ومعنى إيراثهم الجنَّة: الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور، قال الزمخشري في الكشاف: نورث أي نبقي عليه الجنَّة كما نبقي على الوارث مال الموروث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الجنَّة. فإذا أدخلهم الجنَّة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى. اهـ. وقال بعض أهل العلم: معنى إيراثهم الجنَّة أن الله تعالى خلق لكل نفس منزلًا في الجنَّة ومنزلًا في النار، فإذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، أراهم منازلهم في النار لو كفروا وعصوا الله؛ ليزداد سرورهم وغبطتهم، وعند ذلك يقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا .
روا وعصوا الله؛ ليزداد سرورهم وغبطتهم، وعند ذلك يقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا ... ﴾ الآية. وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنَّة لو آمنوا واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾. ثم إنه تعالى يجعل منازل أهل الجنَّة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنَّة لأهل الجنَّة فيرثون منازل أهل النار في الجنَّة. وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلًا في الجنَّة ومنزلًا في النار، إلَّا أن حمل الآية عليه غير صواب؛ لأن أهل الجنَّة يرثون من الجنَّة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات.
المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنَّة إلَّا ما أورثوا من منازل أهل النار، والواقع بخلاف
ذلك كما ترى. والحديث المذكور هو ما رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة: "كل أهل الجنَّة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكر. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنَّة فيقول: لولا أن الله هداني فيكون عليه حسرة" اهـ. وعَلَّم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة، وقال شارحه المناوي: قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح اهـ.
•