القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: لا يسمعُ هؤلاءِ الذين يدْخُلُون الجَنَّةَ فيها لَغْوًا؛ وهو الهَذْرُ والباطلُ مِن القولِ والكلامِ، ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾. وهذا من الاسْتِثْنَاءِ المُنْقَطِعِ، ومعناه: ولكِنْ يسْمَعون سلامًا. وهو تحيةُ الملائكةِ إيَّاهم.
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً﴾. يقولُ: ولهم طَعامُهم وما يَشْتَهون من المَطاعِمِ والمشارِبِ في قَدْرِ وقْتِ البُكرةِ مِن وَقْتِ العَشِيِّ من نَهَارِ أيامِ الدُّنيا، [وفى قدرِ وقتِ العشيِّ مِن وقتِ البُكْرةِ مِن نهارِ أيامِ الدنيا]. وإنَّما يعنى أن الذي بينَ غَدائِهم وعَشَائِهم في الجَنَّةِ قَدْرُ ما بينَ غداءِ أحَدِنا في الدُّنيا وعشائِه، وكذلك ما بينَ العَشاءِ والغَداءِ؛ وذلك لأنَّه لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نهارَ، وذلك كقولِه: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٨].
يا وعشائِه، وكذلك ما بينَ العَشاءِ والغَداءِ؛ وذلك لأنَّه لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نهارَ، وذلك كقولِه: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٨]. و ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. يعنى به: من أيامِ الدُّنيا.
حدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سألتُ زُهَيرَ بنَ محمدٍ عن قولِ اللَّهِ جلَّ وعرَّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: ليس في الجَنَّةِ لَيْلٌ، هم في نورٍ أبدًا، ولهم مقدارُ اللَّيلِ والنهارِ، يَعْرِفون مِقْدَارَ الليلِ بإرخاءِ الحُجُبِ وإغلاقِ الأبوابِ، ويَعْرِفون مِقْدارَ النَّهارِ برَفْعِ الحُجُبِ، وفَتْحِ
الأبوابِ.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن خُلَيدٍ، عن الحسنِ، وذكَرَ أبوابَ الجَنَّةِ، فقال: أبوابٌ يُرَى ظاهرُها من باطنِها، فَتَكَلَّمُ وتُكَلَّمُ، فتَفْهَمُهم: انْفَتِحِى انْغَلِقى.
دُ، عن خُلَيدٍ، عن الحسنِ، وذكَرَ أبوابَ الجَنَّةِ، فقال: أبوابٌ يُرَى ظاهرُها من باطنِها، فَتَكَلَّمُ وتُكَلَّمُ، فتَفْهَمُهم: انْفَتِحِى انْغَلِقى. فتفعلُ.
حدَّثني ابن حربٍ، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عامرُ بنُ يِسَافٍ، عن يحيى، قال: كانت العربُ في زمانِهم مَن وجَد مِنهم عَشاءً وغَداءً، فذاك النَّاعِمُ في أنفسِهم، فأنزَلَ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: قدرَ ما بينَ غَدائِكم في الدُّنيا إلى عشائِكم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
شائِكم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: كانتِ العربُ إذا أصاب أحدُهم الغداءَ والعشاءَ عُجِبَ له، فأخبَرَهم اللهُ أن لهم في الجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا قدرَ ذلك الغَداءِ والعَشاءِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس بكرةٌ ولا عَشِيٌّ، ولكن يُؤْتَون به على ما كانوا
يَشْتَهون في الدُّنيا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: فيها ساعتان؛ بُكْرَةٌ وعَشِيٌّ، فإن ذلك لهم، ليس ثَمَّ ليلٌ، إنما هو ضَوْءٌ ونورٌ.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.
يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم، هي (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: إقامة (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ) بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] أي: كائنا لا محالة.
وقوله هاهنا: (مَأْتِيًّا) أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه.
ومنهم من قال: (مَأْتِيًّا) بمعنى: آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت عليّ خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى [واحد]
يأتونه.
ومنهم من قال: (مَأْتِيًّا) بمعنى: آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت عليّ خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى [واحد]
وقوله: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) أي: هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.
وقوله: (إِلا سَلامًا) استثناء منقطع، كقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]
وقوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أي: في مثل وقت البُكُرات ووقت العَشيّات، لا أن هناك ليلا أو نهارًا ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد:
َعَشِيًّا) أي: في مثل وقت البُكُرات ووقت العَشيّات، لا أن هناك ليلا أو نهارًا ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زُمْرَة تلج الجنة صُورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصُقون فيها، ولا يتمخطون فيها، ولا يَتَغَوّطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألْوّة، ورَشْحُهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مُخّ ساقيهما من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا".
أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا" تفرد به أحمد من هذا الوجه.
، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا" تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال: مقادير الليل والنهار.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وبفتح الأبواب.
وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم، عن خُلَيْد، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة، فقال: أبواب يُرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فَتُهَمْهِم انفتحي انغلقي، فتفعل.
وقال قتادة في قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): فيها ساعتان: بكرة وعشي: ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.
ي انغلقي، فتفعل.
وقال قتادة في قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): فيها ساعتان: بكرة وعشي: ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.
وقال مجاهد ليس [فيها] بكرة ولا عشي، ولكن يُؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.
وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: كانت العرب، الأنْعَم فيهم، من يتغدّى ويتعشى، ونزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم، فقال تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)
وقال ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شَمْشَاط عن عبد الله بن جرير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران"
ي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران"
قال أبو محمد: هذا حديث منكر.
[وقوله تعالى] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله ﷿-في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي في الجنات المذكورة ﴿لَغْوًا﴾ أي كلامًا تافهًا ساقطًا كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله، ومنه قول رؤبة وقيل العجاج:
ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم
كما تقدم في سورة "المائدة".
والظاهر أن قوله: ﴿إلا سَلَمًا﴾ استثناء منقطع، أي لكن يسمعون فيها سلامًا؛ لأنهم يسلم بعضهم على بعض. وتسلم عليهم الملائكة، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿تَحِيُّهُم فِيها سَلَام (٢٣) .. ﴾ الآية وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ. ... (٢٤)﴾ الآية.
ِيها سَلَام (٢٣) .. ﴾ الآية وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ. ... (٢٤)﴾ الآية. كما تقدم مستوفى.
وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضًا كقوله في "الواقعة": ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ وقد جاء الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ.. ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾، وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة.
نَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة. ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان:
وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالربع من أحد
إلَّا الأواريّ لأيًا ما أُبَيُّنها ... والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومة الجَلَد
"فالأواري" التي هي مرابط الخيل ليست من جنس "الأحد".
وقول الفرزدق:
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنان وعامله
وقول جران العود:
وبلدةٍ ليس بها أنيسٌ ... إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ
"فالسنان" ليس من جنس "الخاطب" و"اليعافير والعيس" ليس واحد منهما من جنس"الأنيس". وقول ضرار بن الأزور:
أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ... ولله بالعبد المجاهد أعلم
عشية لا تغني الرماح مكانها ...
فير والعيس" ليس واحد منهما من جنس"الأنيس". وقول ضرار بن الأزور:
أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ... ولله بالعبد المجاهد أعلم
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النيل إلَّا المشرفي المصمم
وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين، خلافًا للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشَّافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلًا حتَّى يخرج بالاستثناء.
تنبيهات
الأول: اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل؛ وإن اختل
واحد منهما فهو منقطع. الأول: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلَّا زيدًا؛ فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلَّا حمارًا. الثاني: أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثني منه.
: جاء القوم إلَّا زيدًا؛ فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلَّا حمارًا. الثاني: أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثني منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس، ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتًا، ومن الإثبات نفيًا؛ فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وإنَّما كان منقطعًا في الآيتين؛ لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ هو: يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا.
قيض ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ هو: يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: كلوها بالباطل، ولم يحكم له في المستثنى.
فتحصَّل أن انقطاع الاستثناء قسمان؛ أحدهما: بالحكم على غير جنس المستثنى منه؛ كقولك: رأيت أخويك إلَّا ثوبًا. الثاني: بالحكم بغير النقيض؛ نحو: رأيت أخويك إلَّا زيدًا لم يسافر.
التنبيه الثاني: اعلم أنَّه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية؛ فلو أقر رجل لآخر فقال له: علَيَّ
ألف دينار إلَّا ثوبًا؛ في القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله: "إلَّا ثوبًا" لغوًا وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يُلغى قوله: "إلَّا ثوبًا" وتسقط قيمة الثوب من الألف. والذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين: أحدهما: أنَّه مجاز، وأنه أطلق الثوب وأراد قيمته.
قوله: "إلَّا ثوبًا" وتسقط قيمة الثوب من الألف. والذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين: أحدهما: أنَّه مجاز، وأنه أطلق الثوب وأراد قيمته. والثاني: أن فيه إضمارًا؛ أي حذف مضاف، يعني: إلَّا قيمة ثوب. فمن قال: يقدم المجاز على الإضمار قال: "إلَّا ثوبًا" مجاز، أطلق الثوب وأراد القيمة؛ كإطلاق الدم على الدية. ومن قال: يقدم الإضمار على المجاز، قال: "إلَّا ثوبًا" أي: إلَّا قيمة ثوب. واعتمد صاحب مراقي السعود تقديم المجاز على الإضمار في قوله:
وبعد تخصيص مجاز فَيَلي ... الإضمار فالنقل على المعول
ومعنى البيت: أن المقدم عندهم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل؛ مثال تقديم التخصيص على المجاز إذا احتمل اللفظ كل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليلٌ مخَصِّص لعموم المشركين.
للفظ كل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليلٌ مخَصِّص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنَّه مجاز مرسل، أطلق فيه الكل وأراد البعض؛ فيقدم التخصيص لأمرين: أحدهما: أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز. الثاني: أن اللفظ يبقى مستصحبًا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة.
ومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما: قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنًّا: أنت أبي،
يحتمل أنَّه مجاز مرسل، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق؛ لأن الأَبوة يلزمها العتق. ويحتمل الإضمار؛ أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. في الأول يعتق. وعلى الثاني لا يعتق.
الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق؛ لأن الأَبوة يلزمها العتق. ويحتمل الإضمار؛ أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. في الأول يعتق. وعلى الثاني لا يعتق. ومن أمثلته: المسألة التي نحن بصددها.
ومثال تقديم الإضمار على النقل عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يحتمل الإضمار؛ أي: أَخْذ الرِّبَا وهو الزِّيادة في بيع درهم بدرهمين مثلًا. وعلى هذا لو حذف الدرهم الزائد لصح البيع في الدرهم بالدرهم. ويحتمل نقل الرِّبَا إلى معنى العقد؛ فيمتنع عقد بيع الدرهم بالدرهمين. ولو حذف الزائد فلابد من عقد جديد مطلقًا.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وعلى هذين الوجهين اللذين ذكروهما في "له علي ألف دينارًا إلَّا ثوبًا" وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا؛ لأن قيمة الثوب من جنس الألف التي أقر بها.
وجهين اللذين ذكروهما في "له علي ألف دينارًا إلَّا ثوبًا" وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا؛ لأن قيمة الثوب من جنس الألف التي أقر بها. سواء قلنا إن القيمة مضمرة، أو قلنا إنها معبر عنها بلفظ الثوب.
التنبيه الثالث: اعلم أن الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظي؛ لأن الذين منعوه لم يمنعوه بالكلية، وإنَّما قالوا: إنه ليس من الاستثناء الحقيقي؛ لأن أداة الاستثناء فيه بمعنى لكن، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلَّا الاستثناء. وبعض القائلين بالاستثناء المنقطع يقول: إن الثوب في المثال المتقدم لغو، ويعد ندمًا من المقر بالألف. والنسبة بين الاستثناء المتصل والمنقطع عند القائلين به قيل: إنها نسبة تواطؤ. وقيل: إنها من
قبيل الاشتراك. وإلى مسألة الاستثناء المنقطع والفرق بينه وبين المتصل أشار في مراقي السعود بقوله:
والحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكم قبل متصل
وغيره منقطع ورجحا ... جوازه وهو مجازًا وَضُحا
فَلْتنمِ ثوبًا بعد ألف درهم ...
راقي السعود بقوله:
والحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكم قبل متصل
وغيره منقطع ورجحا ... جوازه وهو مجازًا وَضُحا
فَلْتنمِ ثوبًا بعد ألف درهم ... للحذف والمجاز أو للندم
وقيل بالحذف لدى الإقرار ... والعقدُ معنى الواو فيه جار
بِشِرْكَةٍ وبالتواطي قالا ... بعضٌ وأوجب فيه الاتصالا
وما ذكرنا من أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا﴾ منقطع هو الظاهر. وقيل: هو من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول نابغة ذبيان:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائب
وقول الآخر:
فما يك فيّ من عيبٍ فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
وعلى هذا القول فالآية كقوله: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا ...
الآخر:
فما يك فيّ من عيبٍ فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
وعلى هذا القول فالآية كقوله: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة "براءة".
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشيّ، مع
أن الجنَّةَ ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة:
الأول: أن المراد بالبكرة والعشيّ قدر ذلك من الزمن، كقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرُ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: قدر شهر. ورُويَ معنى هذا عن ابن عبَّاس، وابن جريج وغيرهما.
الجواب الثاني: أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغِّبة لهم وإن كان ما في الجنَّةِ أكثر من ذلك.
جريج وغيرهما.
الجواب الثاني: أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغِّبة لهم وإن كان ما في الجنَّةِ أكثر من ذلك. ويروى هذا عن قَتَادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير.
الجواب الثالث: أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشيّ، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحًا ومساء، وبكرة وعشيًّا. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين.
الجواب الرابع: أن تكون البكرة هي الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. والعشي: هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم؛ لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول.
الجواب الخامس: هو ما رواه التِّرمِذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: "وما يهيجك على هذا"؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ ققلت: الليل بين البكرة والعشي.
جنة من ليل؟ قال: "وما يهيجك على هذا"؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ ققلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله ﷺ: "ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على
الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة" انتهى بواسطة نقل صاحب الدر المنثور والقرطبي في تفسيره. وقال القرطبي بعد أن نقل هذا: وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ثم قال: وقال العلماء ليس في الجنَّة ليل ولا نهار، وإنَّما هو في نور أبدًا، إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحُجُب، وإغلاق الأَبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأَبواب؛ ذكره أَبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما اهـ منه. وهذا الجواب الأخير الذي ذكره الحكيم التِّرمِذي عن الحسن وأبي قلابة عن النبي ﷺ راجع إلى الجواب الأول. والعلم عند الله تعالى.
•