ف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾. بتخفيفِ الذالِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ والحجازِ: (أوَلا يَذَّكَّرُ الإِنسانُ). بتشديدِ الذالِ والكافِ، بمعنى: أو لا يتذكَّرُ. والتَّشديدُ أعجبُ إليَّ وإن كانت الأخرى جائزةً؛ لأن معنى ذلك: أوَ لا يتفكَّرُ فيعْتَبِرَ؟
ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وفي الصحيح: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد".
وقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ) أقسم الرب، ﵎، بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا).
قال العَوْفي، عن ابن عباس: يعني: قعودا كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨].
وقال السدي في قوله: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا): يعني: قيامًا، وروي عن مرة، عن ابن مسعود [مثله].
وقوله: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) يعني: من كل أمة قاله مجاهد، (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
عن مرة، عن ابن مسعود [مثله].
وقوله: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) يعني: من كل أمة قاله مجاهد، (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
قال الثوري، عن [علي بن الأقمر]، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة، أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جرما، وهو قوله: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
وقال قتادة: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم [ورؤساءهم] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف.
شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم [ورؤساءهم] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]
وقوله: (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا) ثم" هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلَّد فيها، وبمن يستحق تضعيف
العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾.
قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية في أُبيّ بن خلف، وجد عظامًا بالية ففتتها بيده وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت! قاله الكلبي، وذكره الواحدي والثعلبي. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وهو قول ابن عبَّاس. وقيل: نزلت في العاص بن وائل. وقيل: في أبي جهل، وعلى كل واحد من هذه الأقوال فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من بعض أفراد الجنس؛ لأن من الأساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي: (فإن قَتَلُوكم فاقتلوهم) من القتل في الفعلين، أي: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مرارًا. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك
قول الفرزدق:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ...
لقتل في الفعلين، أي: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مرارًا. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك
قول الفرزدق:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنَّه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء، وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة.
وقد بين تعالى في هذه الآية: أن هذا الإنسان الكافر يقول منكرًا البعث: أئذا مت لسوف أخرج حيًّا؟ زعمًا منه أنَّه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت.
ورة.
وقد بين تعالى في هذه الآية: أن هذا الإنسان الكافر يقول منكرًا البعث: أئذا مت لسوف أخرج حيًّا؟ زعمًا منه أنَّه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت. وقد رد الله عليه مقالته هذه بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ يعني: أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث، ولا يذكر أنا أوجدناه الإيجاد الأول ولم يك شيئًا، بل كان عدمًا فأوجدناه، وإيجادنا له المرة الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرة أخرى.
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم
إيضاحه.
وفي الحديث الصحيح الذي يرويه ﷺ عن ربه: "يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق أهون علي من آخره. وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحدُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد". فإن قيل: أين العامل في الظرف الذي هو "إذا" فالجواب: أنَّه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط؛ وتقديره: أأخرج حيًّا إذا ما مت، أي: حين يتمكَّن في الموت والهلاك أخرج حيًّا. يعني لا يمكن ذلك.
ذا" فالجواب: أنَّه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط؛ وتقديره: أأخرج حيًّا إذا ما مت، أي: حين يتمكَّن في الموت والهلاك أخرج حيًّا. يعني لا يمكن ذلك. فإن قيل: لم لا تقول بأنه منصوب ب ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكور في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ على العادة المعروفة، من أن العامل في "إذا" هو جزاؤها؟ فالجواب: أن لام الابتداء في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربية. فلا يجوز أن تقول: اليوم لزيد قائم؛ تعني لزيد قائم اليوم. وما زعمه بعضهم من أن حرف التنفيس الذي هو "سوف" مانع من عمل ما بعده فيما قبله أيضًا، حتَّى إنه على قراءة طلحة بن مصرف "أئذا ما مت سأخرج حيًّا" بدون اللام يمتنع نصب "إذا" بـ ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكورة؛ فهو خلاف التحقيق.
والتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده في كلام العرب؛ كقول الشاعر:
فلما رأته آمنا هان وجدها ...
رة؛ فهو خلاف التحقيق.
والتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده في كلام العرب؛ كقول الشاعر:
فلما رأته آمنا هان وجدها ... وقالت أَبونا هكذا سوف يفعل
فقوله: "هكذا" منصوب بقوله: "يفعل" كما أوضحه أَبو حيان
في البحر. وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله: "إذا" منصوب بقوله: "أخرج" لعدم وجود اللام فيها وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله.
تنبيه
فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف التنفيس الدال على الاستقبال؟ فالجواب: أن اللام هنا جردت من معنى الحال، وأخلصت لمعنى التوكيد فقط. ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بينه الزمخشري في الكشاف، وتعقبه أَبو حيان في البحر المحيط بأن من علماء العربية من يمنع أن اللام المذكورة تعطى معنى الحال، وعلى قوله يسقط الإشكال من أصله. والعلم عند الله تعالى.
•