القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: ألقِ عصاك التي بيمينِك يا موسى.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فألقاها موسى، فجعَلها اللهُ حيَّةٌ تَسْعَى، وكانت قبلَ ذلك خشبةً يابسةً، وعصا يتوكَّأُ عليها موسى، ويهُشُّ بها على غنمِه، فصارت حيةً بأمرِ اللهِ.
كما حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضبِّيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قيل لموسى: أَلْقِها يا موسى. ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ولم تكنْ قبلَ ذلك حيةً. قال: فمرَّت بشجرةٍ فأكَلتها، ومرَّت بصخرةٍ فابتلَعتها. قال: فجعَل موسى يسمَعُ وقعَ الصخرةِ في جوفِها. قال: فولَّى مُدْبِرًا، فنُودِىَ أن يا موسى خُذْها. فلم يأخُذْها، ثم نُودِيَ الثانيةَ: أن ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾.
موسى يسمَعُ وقعَ الصخرةِ في جوفِها. قال: فولَّى مُدْبِرًا، فنُودِىَ أن يا موسى خُذْها. فلم يأخُذْها، ثم نُودِيَ الثانيةَ: أن ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. فلم يأخُذْها، فقيل له في الثالثةِ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. فأخَذها.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: قال له، يعني لموسى، ربُّه: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ يعنى: عصاه. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
لموسى: خُذِ الحيةَ. والهاءُ والألفُ من ذكرِ "الحيةِ"، ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تخفْ من هذه الحيةِ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. يقولُ: فإنا سنعيدُها لهيئتِها الأولى التي كانت عليها قبلَ أن نصيِّرَها حيةً، ونردَّها عصًا كما كانت.
يقال لكلِّ من كان على أمرٍ فترَكه، وتحوَّل عنه ثم راجَعه: عاد فلانٌ سيرتَه الأولى، وعاد لسيرتِه الأولى، وعاد إلى سيرتِه الأولى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. يقولُ: حالَتَها الأُولى.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا] الْأُولَى﴾.
قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا] الْأُولَى﴾. قال: هيئتَها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. أي: سنردُّها عصًا كما كانت.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. قال: إلى هيئتِها الأُولى.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى (٢١)﴾.
هذا برهان من الله تعالى لموسى، ﵇، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر، دال على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله ﷿، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، وقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له.
مثل هذا إلا الله ﷿، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، وقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له. وقيل: إنما قال له
ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن، (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) استفهام تقرير.
(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) أي: أعتمد عليها في حال المشي (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي) أي: أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي.
قال عبد الرحمن بن القاسم: عن الإمام مالك: والهش: أن يضع الرجل المحْجَن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثَمَره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا.
وقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك.
مَره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا.
وقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك. وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة.
والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم، ﵇. وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها ماشا.
لأخبار الإسرائيلية وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم، ﵇. وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها ماشا. والله أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: ([قَالَ] أَلْقِهَا يَا مُوسَى) أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى، ألقها (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) أي: صارت في الحال حَيَّة عظيمة، ثعبانًا طويلا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة، (تَسْعَى) أي: تمشي وتضطرب.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عَبْدَة، حدثنا حفص بن جُمَيْع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن [ابن عباس] فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبرًا، فنودي أن: يا موسى، خذها. فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن: خذها ولا تخف. فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين.
وسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبرًا، فنودي أن: يا موسى، خذها. فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن: خذها ولا تخف. فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين. فأخذها.
وقال وهب بن مُنَبّه في قوله: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) قال: فألقاها على وجه الأرض، ثم حانت نظرة فإذا أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فَدَبّ يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخْذَه، يمر بالصخرة مثل الخَلِفَة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، وقد عاد المحْجَن منها عُرفًا. قيل: شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب، لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرًا ولم يُعَقِّب،
فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجَز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى أنْ: ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف.
برًا ولم يُعَقِّب،
فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجَز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى أنْ: ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: (خُذْهَا) بيمينك (وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى) وعلى موسى حينئذ مِدْرَعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك أرأيت يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضَعْف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتى سمع حسّ الأضراس والأنياب، ثم قَبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين؛ ولهذا قال تعالى: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى) أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك.