القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وتَفَرَّق الناسُ في دينهم الذي أمرَهم اللَّهُ به ودَعاهم إليه، فصاروا فيه أحزابًا، فتَهَوَّدَتِ اليهودُ، وتَنَصَّرتِ النصارى، وعُبِدتِ الأوثانُ. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عمَّا هم إليه صائرون، وأن مرجعَ جميعِ أهلِ الأديانِ إليه، مُتَوَعِّدًا بذلك أهلَ الزَّيْغِ منهم والضلالِ، ومُعْلِمَهم أنه لهم بالمرصادِ، وأنه مُجازٍ جميعَهم جَزاءَه؛ المُحسنَ بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءَتِه.
وبنحوِ الذي قُلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. قال: تقطَّعوا؛ اختلَفوا في الدينِ.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) يقول: دينكم دين واحد.
وقال الحسن البصري؛ في هذه الآية: بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: سنتكم سنة واحدة.
دينكم دين واحد.
وقال الحسن البصري؛ في هذه الآية: بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: سنتكم سنة واحدة. فقوله: (إِنَّ هَذِهِ) إنّ واسمها، و (أُمَّتُكُمْ) خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: (أُمَّةً وَاحِدَةً) نصب على الحال؛ ولهذا قال: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١، ٥٢]، وقال رسول الله ﷺ: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد"، يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]
.
يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]
.
وقوله: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) أي: اختلفت الأمم على رسلها، فمن بين مُصَدق لهم ومكذب؛ ولهذا قال: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) أي: يوم القيامة، فيجازَى كل بحسب عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر؛ ولهذا قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي: قلبه مصدق، وعمل عملا صالحا، (فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ)، كقوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠] أي: لا يُكْفَر سعيُه، وهو عمله، بل يُشْكَر، فلا يظلم مثقال ذرة؛ ولهذا قال: (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) أي: يُكتب جميعُ عمله، فلا يَضيع عليه منه شيء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾.
قد قدمنا معاني "الأمة" في القرآن في سورة "هود". والمراد بالأمة هنا: الشريعة والملة. والمعنى: وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة، وهي توحيد الله على الوجه الأكمل من جميع الجهات، وامتثال أمره، واجتناب نهيه بإخلاص في ذلك؛ على حسب ما شرعه لخلقه ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ أي وحدي، والمعنى دينكم واحد وربكم واحد، فلم تختلفون ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في الدين وكانوا شيعًا؛ فمنهم يهودي، ومنهم نصراني، ومنهم عابد وثن إلى غير ذلك من الفرق المختلفة.
ثم بين بقوله ﴿كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ أنهم جميعهم راجعون إليه يوم القيامة، وسيجازيهم بما فعلوا.
ومنهم عابد وثن إلى غير ذلك من الفرق المختلفة.
ثم بين بقوله ﴿كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ أنهم جميعهم راجعون إليه يوم القيامة، وسيجازيهم بما فعلوا. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾ المعنى:
جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه؛ فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب؛ تمثيلًا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقًا شتى اهـ.
وظاهر الآية أن "تقطع" متعدية إلى المفعول ومفعولها "أمرهم" ومعنى تقطعوه: أنهم جعلوه قطعًا كما ذكرنا. وقال القرطبي قال الأزهري: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في أمرهم فنصب ﴿أَمْرَهُمْ﴾ بحذف "في" ومن إطلاق الأمة بمعنى الشريعة والدين كما في هذه الآية؛ قوله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على شريعة وملة ودين. ومن ذلك قول نابغة ذبيان:
حلفتُ فلم أترك في نفسكَ ريبةً ... وهل يأْثَمَنْ ذو إمَّةٍ وهو طائع
ومعنى قوله: "وهل يأْثَمن ذو إمّة ..
على شريعة وملة ودين. ومن ذلك قول نابغة ذبيان:
حلفتُ فلم أترك في نفسكَ ريبةً ... وهل يأْثَمَنْ ذو إمَّةٍ وهو طائع
ومعنى قوله: "وهل يأْثَمن ذو إمّة .. إلخ" أن صاحب الدين لا يرتكب الإثم طائعًا.
وما ذكره جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: من أن الدين واحد والرب واحد فلا داعي للاختلاف. وأنهم مع ذلك اختلفوا وصاروا فرقًا؛ أوضحه في سورة "قد أفلح المؤمنون"، وزاد أن كل حزب من الأحزاب المختلفة فرحون بما عندهم؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾.