َخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾، بكسرِ السينِ، ويتأوَّلون في كسرِها أن معنى ذلك الهُزْءُ، ويقولون: إنها إذا ضُمَّت، فمعنى الكلمةِ: السُّخْرةُ والاستعبادُ. فمعنى الكلامِ على مذهبِ هؤلاء: فاتخذتم أهلَ الإيمانِ بي في الدنيا هُزُوًا ولعبًّا، تهزءون بهم، حتى أنسَوْكم ذكرى.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾. بضمِّ السينِ، وقالوا: معنى الكلمةِ في الضمِّ والكسرِ واحدٌ.
وحكى بعضُهم عن العربِ سماعًا لجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، ودُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ، منسوبٌ
إلى الدُّرِّ، وكذلك كُرسيٌّ وكِرسيٌّ. وقالوا: ذلك من قيلِهم كذلك نظيرُ قولِهم في جمعِ العصا: العِصِيُّ. بكسرِ العينِ، والعُصيُّ بضمِّها.
ِيٌّ، منسوبٌ
إلى الدُّرِّ، وكذلك كُرسيٌّ وكِرسيٌّ. وقالوا: ذلك من قيلِهم كذلك نظيرُ قولِهم في جمعِ العصا: العِصِيُّ. بكسرِ العينِ، والعُصيُّ بضمِّها. قالوا: وإنما اخترنا الضمَّ في السُّخريِّ لأنه أفصحُ اللغتين.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مشهورتانِ، ولغتانِ معروفتانِ، بمعنًى واحدٍ، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأَيَّتِهما قرأ القارىُ ذلك فمصيبٌ، وليس [يُعرفُ من فَرْقٍ] بينَ معنى ذلك إذا كُسِرت السينُ وإذا ضُمَّت؛ لِما ذكرتُ من الروايةِ عمن سمِع من العربِ ما حَكَيتُ عنه.
ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَنْ فَرَّق في ذلك بينَ معناه مكسورةً سينُه ومضمومةً
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: هما مختلفان: سِخريًّا، وسُخريًّا، يقولُ اللهُ: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].
فأَلْهاكم عنه، ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. قال: أنسَى هؤلاءِ الله استهزاؤُهم بهم، وضحكُهم بهم. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ حتى بلَغ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].
وقولُه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إني، أيُّها المشركون باللهِ، المخلَّدون في النارِ، جَزَيْتُ الذين اتخذتموهم في الدنيا سِخْريَّا من أهلِ الإيمانِ بي، وكنتم منهم تضحَكون، اليومَ بما صبَروا على ما كانوا يلقَون بينكم من أذَى سُخريتكم وضحكِكم منهم في الدنيا، أنهم هم الفائزون.
اختلفت القرأةُ في قراءةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّهُمْ﴾. بمعنى: جزيتُهم هذا.
ُ في قراءةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّهُمْ﴾. بمعنى: جزيتُهم هذا. فـ "أنَّ" في قراءةِ هؤلاء في موضعِ نصبٍ بوقوعِ قولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ عليها؛ لأن معنى الكلامِ عندَهم: إنى جزيتُهم اليومَ الفوزَ بالجنةِ. وقد يحتملُ النصبَ من وجهٍ آخرَ، وهو أَن يكونَ موجَّها معناه إلى: إنى جزيتُهم اليومَ بما صبروا؛ لأنهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا، على ما لَقُوا في ذاتِ اللهِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ (إنهم) بكسرِ الألفِ منها، بمعنى الابتداءِ،
وقالوا: ذلك ابتداءٌ من اللهِ مدْحُهم.
وأولى القراءتين في ذلك بالصوابَ: قراءةُ من قرأ بكسرِ الألفِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ قد عمِل في الهاءِ والميمِ، والجزاءُ إنما يعملُ في منصوبين، وإذا عمِل في الهاءِ والميمِ، لم يكنْ له العملُ في "أن"، فيصيرِ عاملًا في ثلاثةٍ، إلا أن يُنْوَى به التكريرُ، فيكونَ [نصبُ "أنَّ"] حينَئذٍ بفعلٍ مضمرٍ، لا بقولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾.
لم يكنْ له العملُ في "أن"، فيصيرِ عاملًا في ثلاثةٍ، إلا أن يُنْوَى به التكريرُ، فيكونَ [نصبُ "أنَّ"] حينَئذٍ بفعلٍ مضمرٍ، لا بقولِه: ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾. وإن هي نُصبت بإضمارِ، لامٍ، لم يكن له أيضًا كبيرُ معنًى؛ لأن جزاءَ اللهِ عبادَه المؤمنين الجنةَ، إنما هو على ما سَلَفَ من صالحِ أعمالِهم في الدنيا، وجزاؤُه إياهم، وذلك في الآخرةِ هو الفوزُ، فلا معنَى لأَنْ يَشْرُطَ لهم الفوزَ بالأعمالِ، ثم يُخبرَ أنهم إنما فازوا لأنَّهم هم الفائزون.
فتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان الصوابُ من القراءةِ ما ذكرنا -: إنى جزيتُهم اليومَ الجنةَ بما صبَروا في الدنيا على أذاكم بها، في أنَّهم اليومَ هم الفائزون بالنعيمِ الدائمِ، والكرامةِ الباقيةِ أبدًا، بما عمِلوا من صالحاتِ الأعمالِ في الدنيا، ولقُوا في طلبِ رضاىَ من المكارِه فيها.
(١١١)﴾.
هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار، يقول: (اخْسَئُوا فِيهَا) أي: امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلاء. (وَلا تُكَلِّمُونِ) أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي.
قال العَوْفِي، عن ابن عباس: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عَبْدَة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم -والله -على مالك ورب مالك.
وب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم -والله -على مالك ورب مالك. ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) قال: والله ما نَبَس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق.
وقال أيضا: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، حدثنا أبو الزَّعْرَاء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله ألا يخرج منهم أحدًا -يعني: من جهنم-غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب. فيقول: من عرف أحدًا فليخرجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدًا فيقول: أنا فلان.
جهنم-غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب. فيقول: من عرف أحدًا فليخرجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدًا فيقول: أنا فلان. فيقول: ما أعرفك.
، قال: فعند ذلك يقول: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)، فعند ذلك يقول: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ). وإذا قال ذلك، أطبقت عليهم فلا يخرج منهم بَشَر.
ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ، (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) أي: حملكم بغضهم على أن نَسِيتم معاملتي (وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جزى أولئك المؤمنين المستضعفين في الدنيا بالفوز بالجنة في الآخرة.
وقوله ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم في دار الدنيا على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخريًّا، وعلى غير ذلك من امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن أولئك المستضعفين الذين كان الكفار يستهزؤون بهم جزاهم الله يوم القيامة الفوز بجنته، ورضوانه جاء مبينًا في مواضع أخر، مع بيان أنهم يوم القيامة يهزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار في النار.
قراءتهما فمفعول جزيتهم محذوف؛ أي: جزيتهم جنتي إنهم هم الفائزون، وعلى هذه القراءة فإن لاستئناف الكلام. وقرأ الباقون: (أنهم هم الفائزون) بفتح همزة أن. وعلى قراءة الجمهور هذه فالمصدر المنسبك من أن وصلتها مفعول به لجزيتهم؛ أي: جزيتهم فوزهم كما لا يخفى. والفوز نيل المطلوب الأعظم.
•