القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تَعْتَبِرُون بها، فتَعْرِفون بها أَيادِىَ الله عندكم، وقدرته على ما يشاءُ، وأنَّه الذى لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أَراده، ولا يُعْجِرُه شيءٌ شاءه، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبنِ الخارجِ من بينِ الفَرْثِ والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك ﴿فِيهَا﴾. يَعنى: في الأنعام، ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾. وذلك كالإبل التي يُحْمَلُ عليها، ويُرْكَبُ ظهرُها، ويُشْرَبُ دَرُّها، ﴿وَمِنهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى من لحومها تأكلون.
وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: وعلى الأنعامِ وعلى السفنِ
تُحْمَلون؛ على هذه في البر، وعلى هذه في البحرِ.
رَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعدّ ولا تحصى، في إنزاله القَطْر من السماء (بِقَدَرٍ) أي: بحسب الحاجة، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرًا لزرعها ولا تحتمل دِمْنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها: "الأرض الجرُز"، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينًا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.
، فيأتي الماء يحمل طينًا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.
وقوله: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ) أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابليَّة له، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى.
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي: لو شئنا ألا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري [والبحار] والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجًا لا ينتفع به لشُرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجَرّ على وجهها لفعلنا. ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مَدَى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا.
لنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجَرّ على وجهها لفعلنا. ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مَدَى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا. ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبًا فراتًا زلالا فيسكنه في الأرض ويَسْلُكُه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، فيسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون
وتتنظفون، فله الحمد والمنة.
وقوله: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من الماء (جَنَّاتٍ) أي: بساتين وحدائق ذات بهجة، أي: ذات منظر حسن.
وقوله: (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) أي: فيها نخيل وأعناب.
عني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من الماء (جَنَّاتٍ) أي: بساتين وحدائق ذات بهجة، أي: ذات منظر حسن.
وقوله: (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) أي: فيها نخيل وأعناب. وهذا ما كان يألف أهل الحجاز، ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم، عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يَعْجِزُون عن القيام بشكره.
وقوله: (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) أي: من جميع الثمار، كما قال: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ١١].
وقوله: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون.
وقوله: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عَرى عنها سمي جَبَلا لا طورًا، والله أعلم.
جُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عَرى عنها سمي جَبَلا لا طورًا، والله أعلم. وطور سيناء: هو طور سينين، وهو الجبل الذي كَلَّم [الله] عليه موسى بن عمران، ﵇، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون.
وقوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ): قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره: تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يُضَمِّن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: (وَصِبْغٍ) أي: أدْم، قاله قتادة.
قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يُضَمِّن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: (وَصِبْغٍ) أي: أدْم، قاله قتادة. (لِلآكِلِينَ) أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أسَيْد -واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري-قال: قال رسول الله ﷺ: "كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة".
وقال عبد بن حُمَيد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة".
ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه، عن عبد الرزاق.
أسلم، عن أبيه، عن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة".
ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه، عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من
حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر وربما لم يذكره.
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني الصَّعْب بن حكيم بن شريك بن نملة، عن أبيه عن جده، قال: ضِفْت عمرَ بن الخطاب ليلة عاشوراء، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتًا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه ﷺ.
نملة، عن أبيه عن جده، قال: ضِفْت عمرَ بن الخطاب ليلة عاشوراء، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتًا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه ﷺ.
وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ): يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرْث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *
قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
الضمير في قوله: (عليها) راجع إلى الأنعام المذكورة في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ وقد بين تعالى في هذه الآية أنه يحمل خلقه على الأنعام. والمراد بها هنا الإِبل؛ لأن الحمل عليها هو الأغلب، وعلى الفلك، وهي السفن. ولفظ الفلك يطلق على الواحد والجمع من السفن.
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من الامتنان على خلقه بما يسر لهم من الركوب والحمل على الأنعام والسفن جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾ وقوله في الأنعام: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ وقوله فيها:
لَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة، وهذا من نعمه وآياته.
وقرن الأنعام بالفلك في الآيات المذكورة؛ لأن الإبل سفائن البر، كما قال ذو الرمة:
ألا خيلت مي وقد نام صحبتي ... فما نفر التهويم إلا سلامها
طروقًا وجلب الرحل مشدودة بها ... سفينة بر تحت خدي زمامها
فتراه سمى ناقته سفينة بر، وجلب الرحل بالضم والكسر عيدانه أو الرحل بما فيه:
•