القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّ فيما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من الحُجَجِ التي ذكَرنا له، لدَلالةً بينةً [وعبرةً] واضحةً لمن اعتَبر، على أنَّ سنةَ اللَّهِ في خلقِه الذين يستَنُّون بسُنَّةِ قومِ إبراهيمَ من عبادةِ الأصنامِ والآلهةِ، ويقتَدون بهم في ذلك - ما سنَّ فيهم في الدارِ الآخرِة، من كَبْكَبَتِهم وما عبَدوا مِن دونِه مع جنودِ إبليسَ في الجحيمِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ في سابقِ علمهِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾،
إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لهو الشديدُ الانتقامِ ممن عبَد من دونَه، ثم لم يَتُبْ من كفرِه حتى هلَك، الرحيمُ بمن تاب منهم أن يعاقبَه على ما كان سلَف منه قبلَ توبته مِن إثمٍ وجُرمٍ.
دنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها [عملها] في الدنيا.
(وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ) أي:
أظهرت وكُشف عنها، وبدت منها عُنقٌ، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب [إلى] الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ) أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئًا، ولا تدفع عن أنفسها؛ فإنكم وإياها اليوم حَصَبُ جَهَنم أنتم لها واردون.
وقوله: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ) قال مجاهد: يعني: فَدُهْوِرُوا فيها.
وقال غيره: كببوا فيها. والكاف مكررة، كما يقال: صرصر.
يعني من الملائكة، كما يقولون: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. وكذا قالوا: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) أي: قريب.
قال قتادة: يعلمون -والله -أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع.
(فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وذلك أنهم يتمنون أنهم يردُّون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون -وهو، ﷾، يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.
م يتمنون أنهم يردُّون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون -وهو، ﷾، يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤].
ثم قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).