اللامِ، بمعنى: ما هذا الذي تفعلُه إلا عادةُ الأولين مِن قبلِنا.
وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرِو بنُ العلاءِ: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ). بفتحِ الخاءِ وتسكينِ اللامِ، بمعنى: ما هذا الذي جئتَنا به إلا كَذِبُ الأَوَّلين وأحاديثُهم.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نحوَ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما هذا إلا دِينُ الأوَّلين وعادتُهم وأخلاقُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: دِينُ الأوَّلين.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
َ﴾. يقولُ: دِينُ الأوَّلين.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هكذا خِلْقَةُ الأَوَّلين، وهكذا كانوا يَحْيَوْن ويَموتُون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كَذِبُ الأوَّلين وأساطيرُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: أساطيرُ الأوَّلين.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: كَذِبُهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: إنْ هذا إلا أمرُ الأوَّلين، وأساطيرُ الأوَّلين اكْتَتَبَها، فهي تُمْلَى
عليه بكرةً وأصيلًا.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عَلْقمةَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: إِنْ هذا إلا اختلاقُ الأوَّلين.
قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرأُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. ويقولُ: شيء اختَلَقوه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قال علقمةُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: اخْتلاقُ الأَوَّلين.
وأَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضَمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: إنْ هذا إلا عادةُ الأوَّلين ودينُهم.
قراءتَين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضَمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: إنْ هذا إلا عادةُ الأوَّلين ودينُهم. كما قال ابن عباسٍ؛ لأنهم إنما عُوتِبوا على البنيانِ الذي كانوا يَتَّخِذونه، وبَطْشِهم بالناسِ بطشَ الجبابرةِ، وقلةِ شُكْرِهم ربَّهم فيما أنعمَ عليهم، فأجابوا نبيَّهم بأنهم يفْعَلون ما يفْعَلون مِن ذلك، احْتذاءٍ منهم سُنَّةَ مَن قبلَهم مِن الأممِ، واقْتفاءً منهم آثارَهم، فقالوا: ما هذا الذي نَفْعَلُه، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يَعْنون بالخُلُقِ عادةَ الأَوَّلين. ويزيدُ ذلك بيانًا وتصْحيحًا لما اخْتَرْنا مِن القراءةِ والتأويلِ، قولُهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ لأنهم
لو كانوا لا يُقِرُّون بأن لهم ربًّا يَقْدِرُ على تعذيبِهم، ما قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتَنا به يا هودُ إلا خَلْقُ الأَوَّلين، وما لنا مِن مُعَذِّبٍ يُعذِّبُنا.
هم، ما قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتَنا به يا هودُ إلا خَلْقُ الأَوَّلين، وما لنا مِن مُعَذِّبٍ يُعذِّبُنا. ولكنهم كانوا مُقِرِّين بالصانعِ، ويعبُدون الآلهةَ على نحوِ ما كان مُشركو العرب يَعْبُدونها، ويقولون: إنها تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى. فلذلك قالوا لهودٍ وهم منكرون نُبُوَّتَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعلُه إلا عادةُ مَن قَبْلَنا وأخلاقُهم، وما اللهُ مُعَذِّبَنا عليه. كما أخبَرنا تعالى ذكرُه عن الأممِ الخاليةِ قبلَنا أنهم كانوا يقولون لرُسُلِهِم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
َقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٤، ٥]، وقال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]﴾ [النحل: ٢٤].
وقرأ آخرون: (إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ) -بضم الخاء واللام -يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد. ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد؛ ولهذا قالوا: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ) يقول: دين الأولين.
لا بعث ولا معاد؛ ولهذا قالوا: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ) يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.
قال الله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ) أي: فاستمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله، وقد بيَّن سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية، أي: ريحًا شديدة الهبوب ذات برد شديد جدًا، فكان إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ [ذَاتِ الْعِمَادِ]﴾ [الفجر: ٦، ٧] وهم عاد الأولى، كما قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]، وهم من نسل إرم بن سام بن نوح. (ذَاتِ الْعِمَادِ) أي: الذين كانوا يسكنون العمد.
عاد الأولى، كما قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]، وهم من نسل إرم بن سام بن نوح. (ذَاتِ الْعِمَادِ) أي: الذين كانوا يسكنون العمد. ومن زعم أن "إرم" مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك أصل أصيل. ولهذا قال: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٨]، أي: لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد، وقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
وقد قَدَّمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا بمقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن الله لها في ذلك، وسلكت وحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦، ٧]، أي: كاملة ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، أي: بقوا أبدانًا بلا رؤوس؛
وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه، وتكسر رأسه، وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر.
ا بلا رؤوس؛
وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه، وتكسر رأسه، وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر. وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئا، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]؛ ولهذا قال: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).