القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾: إِنا نَرْجو أن يصفَحَ لنا ربُّنا عن خطايانا التي سلَفت منا قبلَ إيمانِنا به، فلا يُعاقِبَنا بها.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. قال: السحرَ والكفرَ الذي كانوا فيه.
﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لأن كنا أولَ من آمن بموسى، وصدَّقه بما جاء به من توحيدِ اللهِ، وتكذيبِ فرعونَ في ادِّعائِه الربوبيةَ في دهرِنا هذا وزمانِنا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ
كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ
كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: كانوا كذلك يومَئِذٍ أولَ من آمَن بآياتِه حينَ رَأوها.
وقولِه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. يقولُ: وأوحَينا إلى موسى إذ تمادى فرعونُ في غيِّه وأبَى إلا الثباتَ على طغيانِه بعدَما أريناه آياتنا، ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. يقولُ: أن سِرْ ببنى إسرائيلَ ليلًا من أرضِ مصرَ، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: إن فرعونَ وجندَه مُتَّبِعوك وقومَك من بنى إسرائيلَ؛ ليحُولوا بينكم وبينَ الخروجِ من أرضِهم؛ أرضِ مصرَ.
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾.
تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليَّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ).
لتم، ولا تفتاتوا عليَّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ). وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.
ثم توعَّدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا: (لا ضَيْرَ) أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) أي: المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا) أي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، (أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم.