القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾.
يقولُ: لأقطِّعن أيديَكم وأرجلَكم، مخالفًا في قطعِ ذلك منكم بينَ قطعِ الأيدى والأرجلِ، وذلك أنْ أقطعَ اليدَ اليمنى والرِّجلَ اليسرى، ثم اليدَ اليسرى والرجلَ اليمنى، ونحوَ ذلك من قطعِ اليدِ من جانبٍ، ثم الرجلِ من الجانبِ الآخرِ، وذلك هو القطعُ من خِلافٍ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فوكَّد ذلك بـ ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ إعلامًا منه أنه غيرُ مُسْتَبقٍ منهم أحدًا، ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت السحرةُ: لا ضيرَ علينا. وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد ضار فلانٌ فلانًا فهو يضيرُ ضَيْرًا. ومعناه: لا ضرَّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا ضَيْرَ﴾.
: لا ضرَّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا ضَيْرَ﴾. قال: يقولُ: لا يضُرُّنا الذي تقولُ، وإن صنَعتَه بنا وصلَيتَنا، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ: إِنَّا إلى ربِّنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتِك إيانا، وثباتِنا على توحيدِه، والبراءةِ من الكفرِ به.
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾.
تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليَّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ).
لتم، ولا تفتاتوا عليَّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ). وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.
ثم توعَّدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا: (لا ضَيْرَ) أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) أي: المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا) أي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، (أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم.