القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾.
يقولُ: والذي يُميتُنى إذا شاء، ثم يُحييني إذا أراد بعدَ مماتى، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَرَبِّي هذا الذي بيدِه نفعى وضرِّى، وله هذه القدرةُ والسلطانُ، وله الدنيا والآخرةُ، لا الذي لا يسمَعُ إِذا دُعِى، ولا يَنفَعُ ولا يضُرُّ. وإنَّما كان هذا الكلامُ من إبراهيمَ احتجاجًا على قومِه، في أنَّه لا تصلُحُ الأُلوهةُ، ولا يَنبَغي أن تكونَ العبودةُ إلا لمن يفعلُ هذه الأفعالَ، لا لمن لا يُطيقُ نفعًا ولا ضرًّا.
وقيل: إِنَّ إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه عَنَى بقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: والذي أرجو أن يغفرَ لى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣].
ِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: والذي أرجو أن يغفرَ لى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وقولى لسارة: إنها أُختى
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿وإِنَّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولَه لسارةَ: إنها أختى. حينَ أراد فرعونٌ مِن الفراعنةِ أن يأخذَها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولُه لسارةَ: إنها أختى.
أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولُه لسارةَ: إنها أختى. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ نحوَه.
ويَعْنى بقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: يومَ الحسابِ، يومَ المجازاةِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾
يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) أي: هو الخالق الذي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على [ما] قدّر، وهو الذي يهدي من يشاء ويُضل من يشاء.
(وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويَسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزْنَ، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالا لـ (نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان: ٤٩].
به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالا لـ (نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان: ٤٩].
وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] فأسند الإنعام إلى الله، ﷾، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]؛ ولهذا قال
إبراهيم: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه.
جن: ١٠]؛ ولهذا قال
إبراهيم: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه.
(وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد.
(وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أي: هو الذي لا يقدر على غَفْر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.