ونَ﴾.
فاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: اذهبْ بكتابي هذا، فألقِه إليهم، فانظُرْ ماذا يَرْجِعون، ثم تولَّ عنهم مُنصرِفًا إليَّ. فقال: هو من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فأجابه سليمانُ؛ يعنى أجاب الهدهدَ لما فرَغ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. وانظُرْ ماذا يرجعون، ثم تولَّ عنهم منصرِفًا إليَّ.
رُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. وانظُرْ ماذا يرجعون، ثم تولَّ عنهم منصرِفًا إليَّ. وقال: وكانت لها كَوَّةٌ مستقبلةٌ الشمسَ، ساعةَ تَطْلُعُ الشمسُ تَطْلُعُ فيها فتَسْجُدُ لها، فجاء الهدهدُ حتى وقَع فيها فسدَّها، واستَبْطَأتِ الشمسَ فقامت تَنْظُرُ، فرمَى بالصحيفةِ إليها من تحتِ جناحِه، وطار حتى قامت تَنْظُرُ الشمسِ.
قال أبو جعفرٍ: فهذا القولُ من قولِ ابن زيدٍ يَدُلُّ على أن الهدهدَ تولَّى إلى سليمانَ راجعًا بعد إلقائِه الكتابَ، وأنَّ نظرَه إلى المرأةِ ما الذي تَرْجِعُ وتَفْعَلُ كان قبلَ إلقائِه كتابَ سليمانَ إليها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهَبْ بكتابي هذا فأَلْقِه إليهم ثم تولَّ عنهم، فكنْ قريبًا منهم، وانظُرْ ماذا يَرْجِعون.
قبلَ إلقائِه كتابَ سليمانَ إليها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهَبْ بكتابي هذا فأَلْقِه إليهم ثم تولَّ عنهم، فكنْ قريبًا منهم، وانظُرْ ماذا يَرْجِعون. قالوا: وفعَل الهدهدُ، وسمِع مراجعةَ المرأةِ أهلَ مملكتِها وقولَها لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وما بعدَ ذلك من مراجعة بعضِهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قولَه: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. أي: كُنْ قريبا، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.
وهذا القولُ أَشْبَهُ بتأويل الآية؛ لأن مراجعةَ المرأةِ قومها كانت بعد أن أُلقى إليها الكتاب، ولم يَكُن الهدهد ليَنْصَرِفَ وقد أمر بأن يَنْظُرَ إلى مراجعة [القوم بينهم ما يتراجعونه]، قبل أن يَفْعَلَ ما أمره به سليمان.
نْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ): وذلك أن سليمان، ﵇، كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل: بمنقاره. وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كُوّة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا.
م: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم.
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ). فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قبَل لهم به. وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حَصّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قبل سليمان، ﵇.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره، حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط، حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] أبي أمية، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: "إني أعلم آية لم
تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود" قال: قلت: يا رسول الله، أي آية؟
ية، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: "إني أعلم آية لم
تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود" قال: قلت: يا رسول الله، أي آية؟ قال: "سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف.
وقال ميمون بن مِهْرَان: كان رسول الله ﷺ يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وقوله: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ): يقول قتادة: لا تجيروا علي (وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي.
(وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ): قال ابن عباس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عُيَيْنَة: طائعين.