Mereka menjawab, "Kami mendapat nasib yang malang disebabkan oleh kamu dan orang-orang yang bersamamu." Dia (Saleh) berkata, "Nasibmu ada pada Allah (bukan kami yang menjadi sebab), tetapi kamu adalah kaum yang sedang diuji
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قالت ثمودُ لرسولها صالح: ﴿طَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. أي: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجَرْنا الطير، بأنا سيُصيبُنا [بك وبهم] المكارهُ والمصائبُ. فأجابهم صالحٌ فقال لهم: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: ما زجَرْتم من الطير لما يُصِيبُكم من المكاره عند الله علمُه، لا يُدْرَى أيُّ ذلك كائنٌ؛ أما تظنون من المصائب والمكاره، أم ما لا ترجُونه من العافية والرجاء والمحابِّ؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصائبكم.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ عن قتادة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: علمكم عندَ اللهِ.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.
ال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ عن قتادة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: علمكم عندَ اللهِ.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: بل أنتم قوم تختبرون، يختبِرُكم ربُّكم إذ أرسلنى إليكم؛ أَتُطيعونه فتعملون بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصُونه فتعملون بخلافه فيحِلَّ بكم عقابُه؟
رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦].
(قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ)، أي: لم تدعون بحضور العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟ ولهذا قال: (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) أي: ما رأينا على وجهك ووجوه مَنْ اتبعك خيرا. وذلك أنهم -لشقائهم -كان لا يصيب أحدًا منهم سوءٌ إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه.
قال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾.
قوله اطيرنا بك، أي: تشاءمنا بك. وكان قوم صالح إذا نزل بهم قحط أو بلاء أو مصائب قالوا: ما جاءنا هذا إلَّا من شؤم صالح، ومن آمن به والتطير: التشاؤم، وأصل اشتقاقه من التشاؤم بزجر الطير.
وقد بينا كيفية التشاؤم والتيامن بالطير في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال بعض أهل العلم: أي: سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، فالشر الذي أصابكم بذنوبكم، لا بشؤم صالح، ومن آمن به من قومه.
وقد قدمنا معنى طائر الإِنسان في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
ن آمن به من قومه.
وقد قدمنا معنى طائر الإِنسان في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تشاؤم الكفار بصالح، ومن معه من المؤمنين جاء مثله موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في تشاؤم فرعون وقومه بموسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾، وقوله تعالى في تطير كفار قريش بنبينا ﷺ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ والحسنة في الآيتين النعمة كالرزق والخصب، والعافية.
هم: تعذبون، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقد قدمنا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار؛ ليختبر بالسبك أزائف هو أم خالص؟ وأنها أطلقت في القرآن على أربعة معان:
الأول: إطلاقها على الإِحراق بالنار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: حرقوهم بنار الأخدود على أحد التفسيرين. وقد اختاره بعض المحققين.
المعنى الثاني: إطلاق الفتنة على الاختبار, وهذا هو أكثرها استعمالًا، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
الثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الكفر والضلال، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حتى لا يبقى شرك.
جة الاختبار إن كانت سيئة خاصة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الكفر والضلال، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حتى لا يبقى شرك. وهذا التفسير الصحيح دل عليه الكتاب والسنَّة.
أما الكتاب فقد دل عليه في قوله بعده في البقرة: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفي الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فإنه يوضح أن
معنى: لا تكون فتنة، أي: لا يبقى مشرك؛ لأن الدين لا يكون كله للَّه ما دام في الأرض مشرك كما ترى.
وأما السنَّة ففي قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله" الحديث. فقد جعل ﷺ الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس هي شهادة ألا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ.
أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله" الحديث. فقد جعل ﷺ الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس هي شهادة ألا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ. وهو وأضح في أن معنى: لا تكون فتنة: لا يبقى شرك، فالآية والحديث كلاهما دال على أن الغاية التي ينتهي إليها قتال الكفار هي ألا يبقى في الأرض شرك، إلَّا أنه تعالى في الآية عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقد عبر ﷺ بقوله: "حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله" فالغاية في الآية والحديث واحدة في المعنى، كما ترى.
الرابع: هو إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم، كما قاله غير واحد. والعلم عند الله تعالى.
•