القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتَهم في هذه الآياتِ، كانوا فى الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: يَتَعَظَّمون عن قيل ذلك ويتكَبَّرون. وترك من الكلام "قولوا"؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه من ذكره.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن مُفَضِّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: يعنى المشركين خاصةً.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
عِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾. يَعْنون محمدًا ﷺ.
وقولُه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾]. وهذا خبرٌ من اللهِ مُكَذِّبًا للمشركين الذين قالوا للنبيِّ ﷺ: شاعرٌ مجنونٌ. كذَبوا، ما محمدٌ كما وصفوه به من أنه شاعرٌ مجنونٌ، بل هو لله نبيٌّ جاء بالحقِّ من عندِه، وهو القرآنُ الذى أنزَله عليه، وصدَّق المرسلين الذين كانوا من قبله.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: بالقرآنِ، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. أى: صدَّق من كان قبلَه من المرسَلين.
امَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]. قالوا لهم ههنا: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) قال الضحاك، عن ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء.
وقال مجاهد: يعني: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين.
وقال قتادة: قالت الإنس للجن: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) قال: من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه.
وقال السدي تأتوننا [عن اليمين] من قبل الحق، تزينون لنا الباطل، وتصدونا عن الحق.
وقال الحسن في قوله: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) إيْ والله، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه.
وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به.
وقال يزيد الرشْك: من قبل "لا إله إلا الله". وقال خُصيف: يعنون من قبل ميامنهم.
وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به.
وقال يزيد الرشْك: من قبل "لا إله إلا الله". وقال خُصيف: يعنون من قبل ميامنهم. وقال
عكرمة (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ)، قال: من حيث نأمنكم.
وقوله: (قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) تقول القادة من الجن، والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون؟ بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، (بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ) أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم.
اغِينَ) أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم.
(فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ)، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله: إنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة، (فَأَغْوَيْنَاكُمْ) أي: دعوناكم إلى الضلالة، (إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) أي: دعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا، قال الله تعالى: (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) أي: الجميع في النار، كل بحسبه، (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا) أي: في الدار الدنيا (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون.
ينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا) أي: في الدار الدنيا (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وَهْب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مُسافر -يعني عبد الرحمن بن خالد-عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"، وأنزل الله في كتابه -وذكر قوما استكبروا-فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ).
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّاد، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: الله وعُزَيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح.
قال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: الله وعُزَيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله" فيستكبرون. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال -قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير-قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله. فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: نعلم أنه لا عِدْلَ له. قال: فيتعرف لهم ﵎، وينجي الله المؤمنين.
(وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [هذا] الشاعر المجنون، يعنون رسول الله ﷺ؟!
قُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [هذا] الشاعر المجنون، يعنون رسول الله ﷺ؟! قال الله تعالى تكذيبا لهم، وردا عليهم: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ) يعني رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرْعة الله له من الإخبار والطلب، (وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) أي: صدّقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه [وقدره] وأمره كما أخبروا، ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [فصلت: ٤٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ الآية.
بيَّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العذاب الذي فعله بهؤلاء المعذبين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أي: (العذاب الأليم) وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ أنه يفعل مثله من التعذيب والتنكيل بالمجرمين. والمجرمون جمع مجرم، وهو مرتكب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه عليه التنكيل الشديد، ثم بين العلة لذلك التعذيب؛ بأنها هي امتناعهم من كلمة التوحيد التي هي لا إله إلَّا الله إذا طلب منهم الأنبياء وأتباعهم أن يقولوا ذلك في دار الدنيا.
د، ثم بين العلة لذلك التعذيب؛ بأنها هي امتناعهم من كلمة التوحيد التي هي لا إله إلَّا الله إذا طلب منهم الأنبياء وأتباعهم أن يقولوا ذلك في دار الدنيا. فلفظة إن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ من حروف التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه.
وعليه فالمعنى: كذلك نفعل بالمجرمين؛ لأجل أنهم كانوا في
دار الدنيا إذا قيل لهم: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتكبرون عن قبولها, ولا يرضون أن يكونوا أتباعًا للرسل.
لأجل أنهم كانوا في
دار الدنيا إذا قيل لهم: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتكبرون عن قبولها, ولا يرضون أن يكونوا أتباعًا للرسل.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون ذلك هو سبب تعذيبهم بالنار دلت عليه آيات، كقوله تعالى مبينًا دخلوهم النار: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ وقوله تعالى في ذكر صفات الكفار وهم أهل النار: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.
•