القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعند هؤلاء المخلَصين من عبادي في الجنة قاصراتُ الطرفِ، وهنّ النساء اللاتى قصَرن أطرافهن على بُعولتهن، فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يمدُدْنَ أبصارهن إلى غيرهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. يقولُ: عن غيرِ أزواجهن.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾. قال: على أزواجهن.
ى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾. قال: على أزواجهن. زاد الحارثُ في حديثه:
لا تَبْغِي غيرهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، قال: ذُكِر أيضًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلُه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصَرن طرفَهن على أزواجهن فلا يُرِدنَ غيرَهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجهن، قد قصرن أطرافهن على أزواجهن، ليس كما يكونُ نساءُ أهلِ الدنيا.
وقولُه: ﴿عِينٌ﴾.
ِ اللهِ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجهن، قد قصرن أطرافهن على أزواجهن، ليس كما يكونُ نساءُ أهلِ الدنيا.
وقولُه: ﴿عِينٌ﴾. يعنى بالعِينِ النُّجْلَ العيونِ عظامَها، وهي جمعُ عيناء، والعيناءُ: المرأة الواسعة العين عظيمتُها، وهى أحسن ما يكون من العيونِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قوله: ﴿عِينٌ﴾. قال: عظامُ الأعينِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿عِينٌ﴾. قال: العَيناءُ: العظيمةُ العين.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفىُّ الدِّمياطىُّ، عن عمرو بن هاشمٍ، عن ابن أبي كريمة، عن هشام بن حسانَ، [عن الحسن، عن أمِّه]، عن أمِّ سلمة زوج النبىِّ ﷺ أنها قالت: قلت يا رسول الله، أَخْبِرْني عن قولِ اللهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢].
هشام بن حسانَ، [عن الحسن، عن أمِّه]، عن أمِّ سلمة زوج النبىِّ ﷺ أنها قالت: قلت يا رسول الله، أَخْبِرْني عن قولِ اللهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. قال: "العينُ: الضخام العيون، شَفْرُ الحوراء بمنزلة جناحِ النَّسْرِ".
وقولُه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. اختلف أهل التأويل في الذى به شُبِّهن من البَيْضِ بهذا القولِ؛ فقال بعضُهم: شُبِّهن ببطنِ البَيْضِ في البياضِ وهو الذي داخلَ القشر، وذلك أن ذلك لم يَمَسَّه شيءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
َمَسَّه شيءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: كأنهن بطنُ البَيْضِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البَيْضُ حينَ يُقَشَّرُ قبلَ أن تَمَسَّه الأيدى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: لم تَمُرَّ به الأيدى ولم تَمَسَّه، يُشْبِهْنَ بياضَه.
وقال آخرون: شُبِّهن بالبيض الذى يَحْضُنُه الطائر، فهو إلى الصفرة، فشُبِّه بياضُهن في الصفرةِ بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
فشُبِّه بياضُهن في الصفرةِ بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: البيضُ الذى يُكِنُّه الريشُ، مثلُ بَيْضِ النعام الذي قد أكنَّه الريش من الريح، فهو أبيضُ إلى الصفرة، فكأنه يَبْرُقُ، فذلك المكنونُ.
وقال آخرون: بل عَنَى بالبيض فى هذا الموضع اللؤلؤ، وبه شبِّهن في
بياضِه وصفائِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. يقول: اللؤلؤ المكنونُ.
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى: قولُ مَن قال: شُبِّهن في بياضهن، وأنهن لم يَمَسَّهن قبلَ أزواجِهن إنسٌ ولا جانٌّ - ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو [الجلدة المُلْبَسةُ] المُحَّ، قبل أن تمسَّه يَدٌ أو شيءٌ غيرها، وذلك لا شكَّ هو المكنونُ؛ فأما القشرةُ العليا فإن الطائرَ يَمَسُّها والأيدى تُباشِرُها والعُشُّ يَلْقاها. والعربُ تقولُ لكلِّ مصونٍ: مكنونٌ.
ٌ غيرها، وذلك لا شكَّ هو المكنونُ؛ فأما القشرةُ العليا فإن الطائرَ يَمَسُّها والأيدى تُباشِرُها والعُشُّ يَلْقاها. والعربُ تقولُ لكلِّ مصونٍ: مكنونٌ. ما كان ذلك الشيءُ؛ لؤلؤًا كان أو بيضًا أو متاعًا، كما قال أبو دَهْبَلٍ:
وَهْي زهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغَوَّ … اصِ مِيزَت من جَوْهرٍ مكنونِ
وتقولُ لكلِّ شيءٍ أَضْمَرَتْه الصدورُ: أَكنَّته، فهو مُكَنٌّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا محمد بن الفرجِ الصدفيُّ الدِّمياطىُّ، عن عمرو بن هاشمٍ، عن ابن أبى كريمةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة: قلت: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني عن قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: "رِقَّتُهن كرِقَّةِ الجلدة التى رأيتها في داخل البيضة التي تلى القِشْرَ، وهي الغِرْقِئُ ".
وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
ِقَّتُهن كرِقَّةِ الجلدة التى رأيتها في داخل البيضة التي تلى القِشْرَ، وهي الغِرْقِئُ ".
وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. يقولُ [تعالى ذكرُه: فأقبل بعضُ أهل الجنة على بعضٍ يتساءلون؛ يقولُ]: يَسْأَلُ بعضُهم بعضًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: أهل الجنة.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: أهل الجنة.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾
يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد: يعني شيطانا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا.
َ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد: يعني شيطانا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا.
ولا تنافي بين كلام مجاهد، وابن عباس؛ فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاديان، قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وكل منهما يوسوس، كما قال تعالى: ([قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ] * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس].