والصَّلَبِ.
وكان الفرَّاءُ يقولُ: إذا ضُمَّ أولُه لم يُثَقَّلْ؛ لأنهم جعَلوهما على سَمْتَين؛ إذا فتَحوا أولَه ثَقَّلُوا، وإذا ضَمُّوا أولَه خفَّفُوا. قال: وأنشَدني بعضُ العربِ:
لئن بَعَثَتْ أُمُّ الحُمَيدَينِ مائِرًا … لقد غَنِيَتْ فِي غَيرِ بُؤْسٍ ولا جُحْدِ
من قولِهم: جحِد عيشُه. إذا ضاق واشتدَّ، قال: فلما قال: "جُحْد" خفَّف.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريين: النُّصْبُ من العذابِ. وقال: العربُ تقولُ: أَنْصَبني. عذَّبنى وبرَّح بي، قال: وبعضُهم يقولُ: نَصَبَنى.
واستشهَد لقيلِه ذلك بقولِ بشرِ بن أبى خازمٍ:
تعَنَّاكَ نُصْبٌ من أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ … كذِى الشَّجْوِ لمَّا يَسْلُه وسَيَذْهَبُ
وقال: يعنى بالنُّصْبِ البلاءَ والشرَّ.
ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ:
كِلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ … وليلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ
قال: والنَّصَبُ إذا فُتحت وحُرِّكت حروفُها كانت من الإعياءِ، والنَّصْبُ إذا فُتِح أولُه وسُكِّن ثانيه واحدةُ أنصابِ الحرمِ، وكلُّ ما نُصِب علمًا.
ِبِ
قال: والنَّصَبُ إذا فُتحت وحُرِّكت حروفُها كانت من الإعياءِ، والنَّصْبُ إذا فُتِح أولُه وسُكِّن ثانيه واحدةُ أنصابِ الحرمِ، وكلُّ ما نُصِب علمًا. وكأن معني النُّصْبِ في هذا الموضِعِ العلةُ التي نالته في جسدِه، والعناءُ الذي لاقَى فيه، والعذابُ في ذهابِ مالِه.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك الضمُّ في النونِ، والسكونُ في الصادِ.
وأما التأويلُ، فبنحوِ الذي قلْنا فيه قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، حتى بلَغ: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾: ذهابِ المالِ والأهلِ، والضرِّ الذي أصابه في جسدِه، قال: ابتُلي سبعَ سنينَ وأشهرًا، مُلْقًى على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ، تخْتَلِفُ الدوابُّ في جسدِه، ففرَّج اللهُ عنه، وعظَّم له الأجرَ، وأحسَن عليه الثناءَ.
هابِ مالي وولدى، فاستجَبْنا له، وقلْنا له: اركُضْ برجلِك الأرضَ. أي حرِّكْها وادفَعْها برجلِك. والرَّكْضُ حركةُ الرِّجلِ. يقالُ منه: رُكِضَت الدابةُ. و: لا تَرْكُضُ ثوبَك برجلِك.
وقيل: إن الأرضَ التي أُمِر أيوبُ أن يركُضَها برجلِه الجابيةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾.
الآية، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ؛ أرضًا يقالُ لها: الجابيةُ.
وقولُه: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. ذُكِر أنه نبَعَت له حينَ ضرَب برجلِه الأرضَ عينان، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ، فإذا عينان تَنْبُعان، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال: فركَض برجلِه، فانفجَرت له عينٌ، فدخَل فيها واغتَسَل، فأذهَب اللهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ.
حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في قولِ اللهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: فركَض برجلِه، فنبَعت عينٌ، [فاغتَسَل منها، ثم مشى نحوًا من أربعين ذراعًا، ثم ركَض برجلِه، فنبَعت عينٌ]، فشرِب منها، فذلك قولُه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
وعُنِى بقولِه: ﴿مُغْتَسَلٌ﴾: ما يُغتَسَلُ به من الماءِ، يقالُ منه: هذا مُغْتَسَلٌ وغَسُولٌ. للذى يُغْتَسلُ به من الماءِ.
وقولُه: ﴿وَشَرَابٌ﴾. يعنى: ويَشْرَبُ منه. والموضِعُ الذي يُغْتَسَلُ فيه يُسَمَّى مُغْتَسَلًا.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾
يذكر تعالى عبده ورسوله أيوب ﵇ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق من جسده مَغْرز إبرة سليما سوى قلبه ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة. وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فَسُلبَ جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحا و [لا] مساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبًا.
لة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحا و [لا] مساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبًا. فلما طال المطال واشتد الحال وانتهى القدر المقدور وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وفي هذه الآية الكريمة قال: رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب، قيل: بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله.
رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب، قيل: بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله. ففعل فأنبع الله عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)
قال ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله-لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟
ين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله-لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشفَ ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله ﷿، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله تعالى إلى أيوب، ﵇، أن (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) فاستبطأته فتلقته تنظر فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال: فإني أنا هو.
ى أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير ﵀
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَر عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثو في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك".
انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به