القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فالوادي الذي يَسِيلُ مِن قَيْحٍ ومن صَديدٍ في جهنمَ، يومَ تَمورُ السماءُ مورًا، وذلك يومَ القيامةِ للمُكَذِّبين بوقوعِ عذابِ اللَّهِ للكافرينِ، يومَ تمورُ السماءُ مورًا.
وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: أُدْخِلَت الفاءُ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾. لأنه في معنى: إذا كان كذا وكذا. فأشْبَه المُجازاةَ؛ لأن المجازاةَ يكونُ خبرُها بالفاءِ.
وقال بعضُ نحويي الكوفةِ: الأوقاتُ كلُّها تكونُ جزاءً مع الاستقبالِ، فهذا مِن ذاك؛ لأنهم قد شبَّهوا «إن» وهي أصلُ الجزاءِ بـ «حين». وقال: إن مع «يوم» إضمارَ فعلٍ، وإن كان التأويلُ جزاءً؛ لأن الإعرابَ يأخُذُ ظاهرَ الكلامِ، وإن كان المعنى جزاءً.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾.
«يوم» إضمارَ فعلٍ، وإن كان التأويلُ جزاءً؛ لأن الإعرابَ يأخُذُ ظاهرَ الكلامِ، وإن كان المعنى جزاءً.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: الذين هم في فتنةٍ واختلاطٍ في الدنيا يَلْعَبون، غافلين عما هم صائرون إليه من عذابِ اللَّهِ في الآخرةِ.
وقولُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فويلٌ يومَئذٍ للمكذِّبين يومَ يُدَعُّون.
وقولُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾. ترجمةٌ عن قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. وإبدالٌ منه.
وعُنِي بقولِه: ﴿يُدَعُّونَ﴾: يُدْفَعون بإرهاقٍ وإزعاجٍ، يقالُ منه: دعَعْتُ في قَفاه. إذا دفَعْتَ فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصلتِ]، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾.
عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصلتِ]، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدْفَعُ في أعناقِهم حتى يَرِدوا النارَ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ: يُدْفَعون.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدفَعون فيها دفعًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. يقولُ: يُدْفَعون إلى نارِ جهنمَ
دفعًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾.
ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾. قال: يُدْفَعون.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: يُزْعَجون إليها إزْعاجًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: الدَّعُّ الدفعُ والإرهاقُ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. قال: يُدْفَعون دفعًا. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يَدْفَعُه ويُغْلِظُ عليه.
وقولُه: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. قال: يَدْفَعُه ويُغْلِظُ عليه.
وقولُه: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: هذه النارُ التي كنتم بها] في الدنيا تكذِّبون، فتَجحَدون أن تَرِدُوها، وتُصلَوْها، أو يعاقبَكم بها ربُّكم. وترَك ذِكْرَ "يُقالُ لهم"، اجتزاءً بدلالةِ الكلامِ عليه.
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾
يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة: أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم. فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له: جبل.
(وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا؛ ولهذا قال: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ).
َسْطُورٍ) قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا؛ ولهذا قال: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ). ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء -بعد مجاوزته إلى السماء السابعة-: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم" يعني: يتعبدون فيه ويطوفون، كما
يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل، ﵇، مسندا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة.
باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة. والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "في السماء السابعة بيت يقال له: "المعمور"؛ بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: "الحيوان" يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولي عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة".
هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجوزجاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم.
وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجوزجاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم.
قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهري
وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السُّريّ، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: "الضُّراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدا
وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سِمَاك وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب، عن طَلْق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له: "الضُّراح"، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا.
ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له: "الضُّراح"، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطُّفَيْل، عن علي بمثله.
وقال العَوْفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون
ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "هل تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم.
لربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "هل تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم".
وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم: الحِن، من قبيلة إبليس، فالله أعلم.
وقوله: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ): قال سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة، عن علي: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يعني: السماء، قال سفيان: ثم تلا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢].
السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يعني: السماء، قال سفيان: ثم تلا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جُرَيْج، وابن زيد، واختاره ابن جرير.
وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يُراد مع غيره كما قاله الجمهور.
وقوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ): قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل [الله] منه المطر الذي يحيى به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختلف في معنى قوله: (المسجور)، فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس. وبه يقول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عُمير وغيرهم.
وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم.
وعن سعيد بن جُبير: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يعني: المرسل. وقال قتادة: ([وَالْبَحْرِ] الْمَسْجُورِ) المملوء. واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء.
وقيل: المراد به الفارغ، قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قال: الفارغ؛ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: "إن الحوض مسجور"، تعني: فارغا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء.
وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فيغرق أهلها.
عت فقالت: "إن الحوض مسجور"، تعني: فارغا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء.
وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فيغرق أهلها. قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، ﵀، في مسنده، فإنه قال:
حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: "ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿".
لى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: "ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿".
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد -وهو ابن هارون-عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إليَّ أن البحر يشرف يحاذي رءوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿".
تيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله ﷿". فيه رجل مبهم لم يسم.
وقوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ): هذا هو المقسم عليه، أي: الواقع بالكافرين، كما قال في الآية الأخرى: (مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك.
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يَعِسّ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: (والطور) حتى بلغ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) قال: قسم -ورب الكعبة-حق.
سلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: (والطور) حتى بلغ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) قال: قسم -ورب الكعبة-حق. فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، ﵁.
وقال الإمام أبو عبيد في "فضائل القرآن": حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن: أن عمر قرأ: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ)، فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوما.
وقوله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا): قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكا. وعن ابن عباس: هو تشققها، وقال مجاهد: تدور دورا. وقال الضحاك: استدارتها وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في
بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة.
ابن عباس: هو تشققها، وقال مجاهد: تدور دورا. وقال الضحاك: استدارتها وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في
بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى:
كأن مشْيَتَها من بيتِ جَارتها … مَورُ السحابة لا رَيْثٌ ولا عجل
(وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) أي: تذهب فتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا.
(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم، وعقابه لهم.
(الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزوا ولعبا.
(يَوْمَ يُدَعُّونَ) أي: يدفعون ويساقون، (إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا): وقال مجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، والضحاك، والسدي، والثوري: يدفعون فيها دفعا.
(هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
الدعُّ في لغة العرب: الدفع بقوة وعنف، ومنه قوله تعالى ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ أي يدفعه عن حقه بقوة وعنف.
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين:
أحدهما: أن الكفار يدفعون إلى النار بقوة وعنف يوم القيامة.
والثاني: أنهم يقال لهم يوم القيامة توبيخًا وتقريعًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات أخر، أما الأخير منهما، وهو كونهم يقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه، كقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾، وقوله في سبأ: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ
إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ أي جروه بقوة وعنف إلى وسط النار. والعَتْل في لغة العرب: الجر بعنف وقوة، ومنه قول الفرزدق:
ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتَّى ترد إلى عطية تعتل
وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ أي تجمع الزبانية بين ناصية الواحدة منهم - أي مقدم شعر رأسه - وقدمه، ثم تدفعه في النار بقوة وشدة.
وقد بين جل وعلا أنهم أيضًا يسحبون في النار على وجوههم في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ بدل من قوله: ﴿يَؤْمَئِذٍ﴾ في قوله تعالى قبله: ﴿فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
•