KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Qalam › Ayat 2

QS 68:2

Surah Al-Qalam (القلم) ayat 2

68:2
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ
dengan karunia Tuhanmu engkau (Muhammad) bukanlah orang gila
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 1Ayat 3 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

مَآ
مَا
partikel nafi
أَنتَ
pronomina
بِنِعْمَةِ
نِعْمَة
نعم
رَبِّكَ
رَبّ
ربب
بِمَجْنُونٍ
مَجْنُون
جنن

Tafsir dalam korpus (41 potongan)

QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 184) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 184 · #94688
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول "سورة البقرة"، وأن قوله: (ن) كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ق﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. وقيل: المراد بقوله: (ن) حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان -هو الثوري-حدثنا سليمان -هو الأعمش-عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر. فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 184) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 184 · #94689
ش-عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر. فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة. ثم خلق "النون" ورفع بخار الماء، ففُتِقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سِنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. وهكذا رواه شعبة، ومحمد بن فُضَيل، وَوَكِيع، عن الأعمش، به. وزاد شعبة في روايته: ثم قرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) وقد رواه شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان -أو مجاهد-عن ابن عباس، فذكر نحوه. ورواه مَعْمَر، عن الأعمش: أن ابن عباس قال … فذكره، ثم قرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي، ﷿، القلم، ثم قال له: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 184) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 184 · #94690
ا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي، ﷿، القلم، ثم قال له: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. ثم خلق "النون" فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه. وقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال: حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المروذي حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مُؤَمَّل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صَبِيح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أول ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم: اكتب، قال: ما أكتب، قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة". ثم قرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) فالنون: الحوت. والقلم: القلم. حديث آخر في ذلك: رواه ابن عساكر عن أبي عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق "النون" وهي: الدواة. ثم قال له: اكتب. قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون -أو: ما هو كائن-من عمل أو رزق أو أثر أو أجل.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 185) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 185 · #94691
إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق "النون" وهي: الدواة. ثم قال له: اكتب. قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون -أو: ما هو كائن-من عمل أو رزق أو أثر أو أجل. فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت". وقال ابن أبي نَجِيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال: النون: الحوت [العظيم] الذي تحت الأرض السابعة. وذكر البغوي وجماعة من المفسرين: إن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فالله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا حُمَيد، عن أنس: أن عبد الله بن سلام بَلَغه مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 185) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 185 · #94692
س: أن عبد الله بن سلام بَلَغه مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ والولد ينزع إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا". قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: "أما أول أشراط الساعة فنار تَحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادةُ كبد حوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت". ورواه البخاري من طرق عن حُمَيد، ورواه مسلم أيضا وله من حديث ثوبان -مولى رسول الله ﷺ-نحو هذا. وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان: أن حبرًا سأل رسول الله ﷺ عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم؟ -يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة-قال: "زيادة كبد الحوت". قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 186) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 186 · #94693
ل الجنة حين يدخلون الجنة-قال: "زيادة كبد الحوت". قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا ". وقيل: المراد بقوله: (ن) لوح من نور. قال ابن جرير: حدثنا الحسين بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قُرّة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) لوح من نور، وقلم من نور، يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة وهذا مرسل غريب. وقال ابن جُرَيج أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام. وقيل: المراد بقوله: (ن) دواة، والقلم: القلم.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 186) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 186 · #94694
جري بما هو كائن إلى يوم القيامة وهذا مرسل غريب. وقال ابن جُرَيج أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام. وقيل: المراد بقوله: (ن) دواة، والقلم: القلم. قال ابن جرير: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الحسن وقتادة في قوله: (ن) قالا هي الدواة. وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًا فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله النون، وهي الدواة". وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله، حدثنا ثابت الثمالي، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون -وهي الدواة-وخلق القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام. ثم ألزم كل شيء من ذلك، شأنه: دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم؟ وخروجه منها كيف؟
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 186) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 186 · #94695
ن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام. ثم ألزم كل شيء من ذلك، شأنه: دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة، وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئًا فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قومًا عَرَبا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل. وقوله: (والقلم) الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥]. فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: (وَمَا يَسْطُرُونَ) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: وما يكتبون.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 187) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 187 · #94696
تنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: (وَمَا يَسْطُرُونَ) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: وما يكتبون. وقال أبو الضُّحى، عن ابن عباس: (وَمَا يَسْطُرُونَ) أي: وما يعملون. وقال السدي: (وَمَا يَسْطُرُونَ) يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد. وقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة. وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سُليم السلمي، عن عطاء -هو ابن أبي رباح-حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 187) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 187 · #94697
وليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر [ما كان] وما هو كائن إلى الأبد". وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه، به وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، به وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في كتاب "السنة" من سننه، عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن ابن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة -واسمه حُبَيش بن شُريح الحَبشي الشامي-عن عبادة، فذكره. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء". غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه وقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: (وَالْقَلَمِ) يعني: الذي كتب به الذكر.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 187) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 187 · #94698
ل: "إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء". غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه وقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: (وَالْقَلَمِ) يعني: الذي كتب به الذكر. . وقوله: (وَمَا يَسْطُرُونَ) أي: يكتبون كما تقدم. وقوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) أي: لست، ولله الحمد، بمجنون، كما قد يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، (وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) أي: بل لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي: غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب، وهو يرجع إلى ما قلناه. وقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال العوفي، عن ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 188) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 188 · #94699
مْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب، وهو يرجع إلى ما قلناه. وقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال العوفي، عن ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد. وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال مَعْمَر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول الله ﷺ. قالت: كان خلقه القرآن، تقول كما هو في القرآن. وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله ﷺ. فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله ﷺ. فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلتُ: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن. هذا حديث طويل.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 188) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 188 · #94700
د بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله ﷺ. فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلتُ: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن. هذا حديث طويل. وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث قتادة بطوله وسيأتي في سورة "المزمل" إن شاء الله تعالى. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ. فقالت: أما تقرأ القرآن: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)؟ قال: قلت: حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبلُ فاطرحي الطعام! قالت: فجاءت بالطعام. قالت: فألقت الجارية، فوقعت القصعة فانكسرت -وكان نِطْعًا -قالت: فجمعه رسول الله وقال: "اقتضوا -أو: اقتضى-شك أسود -ظَرفًا مكان ظَرفِك".
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 188) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 188 · #94701
فجاءت بالطعام. قالت: فألقت الجارية، فوقعت القصعة فانكسرت -وكان نِطْعًا -قالت: فجمعه رسول الله وقال: "اقتضوا -أو: اقتضى-شك أسود -ظَرفًا مكان ظَرفِك". قالت: فما قال شيئًا. وقال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد بن هشام: قال: أتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها: أخبريني بخلُق النبي صلى لله عليه وسلم. فقالت: كان خلقه القرآن. أما تقرأ: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وقد روى أبو داود والنسائي، من حديث الحسن، نحوه وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، وأخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبَير بن نفير قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة، ﵂، فسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ. فقالت: كان خُلُق رسول الله ﷺ القرآن. وهكذا رواه أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 189) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 189 · #94702
ير بن نفير قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة، ﵂، فسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ. فقالت: كان خُلُق رسول الله ﷺ القرآن. وهكذا رواه أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي. ورواه النسائي في التفسير، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، به ومعنى هذا أنه، ﵇، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل. كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ ﷺ عشر سنين فما قال لي: "أف" قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 189) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 189 · #94703
ق جميل. كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ ﷺ عشر سنين فما قال لي: "أف" قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله ﷺ وقال البخاري: [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله] حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب "الشمائل". قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 189) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 189 · #94704
ثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله، ﷿ وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق". تفرد به وقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك: من المفتون الضال منك ومنهم.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 190) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 190 · #94705
لاق". تفرد به وقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك: من المفتون الضال منك ومنهم. وهذا كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]، وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: الجنون. وكذا قال مجاهد، وغيره. وقال قتادة وغيره: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: أولى بالشيطان. ومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) لتدل على تضمين الفعل في قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) وتقديره: فستعلم ويعلمون، أو: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون.
QS 68:1-7 (jilid 8 hlm. 190) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 190 · #94706
ِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) لتدل على تضمين الفعل في قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) وتقديره: فستعلم ويعلمون، أو: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون. والله أعلم. ثم قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 59) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 59 · #147181
[سُورَة الْقَلَم (٦٨) : الْآيَات ١ الى ٤] ﷽ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) ن افْتِتَاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأَحَدِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ أَمْثَالِهَا مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهَذِهِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 59) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 59 · #147182
ُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهَذِهِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ. وَرَسَمُوا حَرْفَ ن بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِهَا فِي الْخَطِّ وَهِيَ مُسَمَّى اسْمِهِ الَّذِي هُوَ نُونٌ (بِنُونٍ بَعْدَهَا وَاوٍ ثُمَّ نُونٍ) وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُكْتَبَ الْحُرُوفُ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ وَالْمَنْطُوقِ بِهِ هُوَ اسْمُ الْحَرْفِ لَا ذَاتُهُ، لِأَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ كِتَابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإِنَّمَا تَرْسُمُ سِينًا، وَيَاءً، وَفَاءً، وَلَا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ. وَإِنَّمَا يُقْرَأُ بِاسْمِ الْحِرَفِ لَا بِهِجَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَيُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ سَاكِنَ الْآخِرِ سُكُونَ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ دُخُولِ الْعَوَامِلِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قرىء فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 59) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 59 · #147183
ُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ سَاكِنَ الْآخِرِ سُكُونَ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ دُخُولِ الْعَوَامِلِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قرىء فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ١ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ٣ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤ يَجْرِي الْقَسَمُ هُنَا عَلَى سُنَنِ الْأَقْسَامِ الصَّادِرَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ بِأَشْيَاءٍ مُعَظَّمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى آثَارِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. والْقَلَمِ الْمُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هُوَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ بِالْقَلَمِ مِنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالْمَوْجُودَاتِ الْكَائِنَةِ وَالَّتِي سَتَكُونُ، أَوْ هُوَ كَائِنٌ غَيْبِيٌّ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةٍ: أَنَّهُ الْقَلَمُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٤- ٥] .
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 60) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 60 · #147184
اهِدٍ وَقَتَادَةٍ: أَنَّهُ الْقَلَمُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٤- ٥] . قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: وَما يَسْطُرُونَ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَالُ الْمُشْرِكِينَ الْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ الَّذِينَ لَا يعْرفُونَ إِلَّا الْقَلَمَ الَّذِي هُوَ آلَةُ الْكِتَابَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَةَ مِنَ الْعَرَبِ. وَمِنْ فَوَائِدَ هَذَا الْقَسَمُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كِتَابُ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِكِتَابَةِ مَا يُوحَى بِهِ إِلَيْهِ وَتَعْرِيفُ الْقَلَمِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 60) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 60 · #147185
الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِكِتَابَةِ مَا يُوحَى بِهِ إِلَيْهِ وَتَعْرِيفُ الْقَلَمِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. فَالْقَسَمُ بِالْقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأَنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ وَكُتِبَتْ بِهِ الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ وَتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْعُلُومِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا يُرَجِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالْقَلَمِ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ من الْقُرْآن بقوله: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٣- ٥] . وَمَا يَسْطُرُونَ هِيَ السُّطُورُ الْمَكْتُوبَةُ بِالْقَلَمِ. وَمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أَيْ وَمَا يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَالْمَعْنَى: وَسَطْرِهِمُ الْكِتَابَةَ سُطُورًا.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 60) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 60 · #147186
تَكُونَ مَوْصُولَةً، أَيْ وَمَا يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَالْمَعْنَى: وَسَطْرِهِمُ الْكِتَابَةَ سُطُورًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا كُتَّابُ الْوَحْيِ الْقُرْآنَ، وَما يَسْطُرُونَ قَسَمًا بِكِتَابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَا هُوَ بِكَلَامِ مَجْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [٢- ٣] ، وَتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: وَثَنَايَاكِ إِنَّهَا إِغْرِيضٌ ...
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 61) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 61 · #147187
ينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [٢- ٣] ، وَتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: وَثَنَايَاكِ إِنَّهَا إِغْرِيضٌ ... الْبَيْتَ ويَسْطُرُونَ: مُضَارِعُ سَطَرَ، يُقَالُ: سَطَرَ مِنْ بَابِ نَصَرَ، إِذَا كَتَبَ كَلِمَاتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنْهَا صُفُوفٌ مِنَ الْكِتَابَةِ، وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وَهُوَ الْقَطْعُ، لِأَنَّ صُفُوفَ الْكِتَابَةِ تَبْدُو كَأَنَّهَا قِطَعٌ. وَضَمِيرُ يَسْطُرُونَ رَاجِعٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِينَ لِأَنَّ ذكر الْقَلَم ينبىء بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكَانَ لَفْظُ الْقَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الْكِتَابَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَالْمَقْصُودُ:
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 61) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 61 · #147188
ِينَ لِأَنَّ ذكر الْقَلَم ينبىء بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكَانَ لَفْظُ الْقَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الْكِتَابَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَالْمَقْصُودُ: الْمَكْتُوبُ فِي إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ السَّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَالْمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطّور: ٢- ٣] . وَمَنْ فَسَّرَ الْقَلَمِ بِمَعْنَى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ يَسْطُرُونَ رَاجِعًا إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ الْمَلَائِكَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أَيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أَوْ لِإِبْلَاغِهِ مِنْ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَلَا
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 61) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 61 · #147189
تَلَقِّي ذَلِكَ، أَيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أَوْ لِإِبْلَاغِهِ مِنْ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الْكَاتِبِ مَا يُرِيدُ إِبْلَاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ. وَأُوثِرَ الْقَسَمُ بِالْقَلَمِ وَالْكِتَابَةِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ بَاعِثَ الطَّاعِنِينَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ واللّامزين لَهُ بالمجنون، إِنَّمَا هُوَ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ. وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا وَالْخِطَابُ لَهُ بِهَذَا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلَّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ: هُوَ مَجْنُونٌ، وَذَلِكَ مَا شَافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وَحَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي آخر السُّورَة [الْقَلَم: ٥١] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 61) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 61 · #147190
السُّورَة [الْقَلَم: ٥١] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الْجُنُونِ عَنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ رَدٌّ عَلَى أَقْوَالِ الْمُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: ٢٢] . وَقَدْ زَلَّ فِيهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» زَلَّةً لَا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ نَفْيِ الْجُنُونِ عَنْهُ إِثْبَاتُ مَا قَصَدَ الْمُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسَالَةِ وَضَعُوا مَوْضِعَهَا صِفَةَ الْجُنُونِ، فَإِذَا نُفِيَ مَا زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 62) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 62 · #147191
ِأَنَّهُمْ لَمَّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسَالَةِ وَضَعُوا مَوْضِعَهَا صِفَةَ الْجُنُونِ، فَإِذَا نُفِيَ مَا زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ. وَقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهُمْ وَتَأْكِيدُهُمْ ذَلِكَ بِحَرْفِ (إِنَّ) وَلَامِ الْابْتِدَاءِ إِذْ قَالُوا إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [الْقَلَم: ٥١] بِمُؤَكِّدَاتٍ أَقْوَى مِمَّا فِي كَلَامِهِمْ إِذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وَجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالْبَاءِ الَّتِي تُزَادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ مَنْفِيَّةً لِدَلَالَةِ الْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ عَلَى ثَبَاتِ الْخَبَرِ، أَيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مُؤَكِّدَاتٍ. وَقَوْلُهُ: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ جَعَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي مَجْنُونٍ الْمَنْفِيِّ. وَالتَّقْدِيرُ: انْتَفَى وَصْفُ الْمَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ، وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوِ السَّبَبِيَّةِ، أَيْ بِسَبَبِ إِنْعَامِ اللَّهِ إِذْ بَرَّأَكَ مِنَ النَّقَائِصِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 62) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 62 · #147192
ْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ، وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوِ السَّبَبِيَّةِ، أَيْ بِسَبَبِ إِنْعَامِ اللَّهِ إِذْ بَرَّأَكَ مِنَ النَّقَائِصِ. وَالَّذِي أَرَى أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً وَأَنَّ الْبَاءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ وَتَقْدِيرُهُ: أَنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلَى نَحْوِ مَا قِيلَ فِي تَعَلُّقِ الْبَاءِ فِي قَوْله: بِسْمِ اللَّهِ [هود: ٤١] وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمَالُهُمْ كَقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ اللَّهَبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ فِي بُغْضِ صَاحِبِهِ ... بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكُمْ وَتَقْلُونَا وَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي «أَمَالِيهِ» أَنَّ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ مَا النَّافِيَةِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ وَقَدَّرَهُ: انْتَفَى أَنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 62) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 62 · #147193
ِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ مَا النَّافِيَةِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ وَقَدَّرَهُ: انْتَفَى أَنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ: (مَجْنُونٍ) إِذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأَوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خَاص وَهُوَ الْمَجْنُون الَّذِي يَكُونُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ، وَاسْتَحْسَنَ هَذَا ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» فِي الْبَابِ الثَّالِثِ لَوْلَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالْحَرْفِ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو الْفَتْحِ فِي خُصُوصِ تَعَلُّقِ الْمَجْرُورِ وَالظَّرْفِ بِمَعْنَى الْحَرْفِ النَّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي قَوْلِكَ: يَا لَزَيْدٍ (يُرِيدُ فِي الْاسْتِغَاثَةِ) ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ فِي سُورَةِ الطُّورِ [٢٩] .
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 62) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 62 · #147194
(يُرِيدُ فِي الْاسْتِغَاثَةِ) ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ فِي سُورَةِ الطُّورِ [٢٩] . وَلَمَّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتَانَ أَعْدَائِهِ أَعْقَبَهُ بِإِكْرَامِهِ بِأَجْرٍ عَظِيمٍ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَذًى بِقَوْلِهِ: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ إِنَّ وَبِلَامِ الْابْتِدَاءِ وَبِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ «لَكَ» وَهَذَا الْأَجْرُ هُوَ ثَوَابُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ وَعِنَايَةُ اللَّهِ بِهِ وَنَصْرُهُ فِي الدُّنْيَا. وَ «مَمْنُونٍ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ مَنِّ الْمُعْطِي عَلَى الْمُعْطَى إِذَا عَدَّ عَلَيْهِ عَطَاءَهُ وَذَكَرَهُ لَهُ، أَوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ الْمُعْطَى، قَالَ النَّابِغَةُ:
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 63) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 63 · #147195
ي عَلَى الْمُعْطَى إِذَا عَدَّ عَلَيْهِ عَطَاءَهُ وَذَكَرَهُ لَهُ، أَوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ الْمُعْطَى، قَالَ النَّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ... لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبٍ أَيْ لَيْسَ فِيهَا أَذًى، وَالْمَنُّ مِنَ الْأَذَى قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [الْبَقَرَة: ٢٦٤] . وَقَدِ انْتَزَعَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ) أَوْ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ: أَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ قَبْلَهُ: سَأَشْكُرُ عَمْرًا إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي وَمُرَادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 63) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 63 · #147196
لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ قَبْلَهُ: سَأَشْكُرُ عَمْرًا إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي وَمُرَادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَمْنُونٍ» مُشْتَقًّا مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنَّ الْحَبْلَ، إِذَا قَطَعَهُ، أَيْ أَجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وَهُوَ الثَّوَابُ الْمُتَزَايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ أَجْرًا أَبَدِيًّا فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا كَانَ لِإِيثَارِ كَلِمَةِ «مَمْنُونٍ» هُنَا مِنَ الْإِيجَازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فِي سُورَةِ هُودٍ [١٠٨] لِأَنَّ مَا هُنَا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ. وَبَعْدَ أَنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالْوَعْدِ عَادَ إِلَى تَسْفِيهِ قَوْلِ الْأَعْدَاءِ فَحَقَّقَ أَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وَذَلِكَ ضِدُّ الْجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ مُؤَكِّدَاتٍ مِثْلُ مَا فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 63) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 63 · #147197
حَقَّقَ أَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وَذَلِكَ ضِدُّ الْجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ مُؤَكِّدَاتٍ مِثْلُ مَا فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ. وَالْخُلُقُ: طِبَاعُ النَّفْسِ، وَأَكْثَرُ إِطْلَاقِهِ عَلَى طِبَاعِ الْخَيْرِ إِذا لم يتبع بِنَعْتٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٣٧] . وَالْعَظِيمُ: الرَّفِيعُ الْقَدْرِ وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ ضَخَامَةِ الْجِسْمِ، وَشَاعَتْ هَذِهِ الْاسْتِعَارَةُ حَتَّى سَاوَتِ الْحَقِيقَةَ. وَ (عَلَى) لِلْاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ الْمُرَادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النَّمْل: ٧٩] ، إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: ٤٣] ، إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ [الْحَج: ٦٧] .
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 63) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 63 · #147198
لَى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النَّمْل: ٧٩] ، إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: ٤٣] ، إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ [الْحَج: ٦٧] . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» أَيْ مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنْ إِيقَاعِ الْفَضَائِلِ وَالْمَكَارِمِ وَالنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِهَا. وَالْخُلُقُ الْعَظِيمُ: هُوَ الْخُلُقُ الْأَكْرَمُ فِي نَوْعِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ الْبَالِغُ أَشَدَّ الْكَمَالِ الْمَحْمُودِ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ لِاجْتِمَاعِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي النَّبِيءِ ﷺ فَهُوَ حَسَنٌ مُعَامَلَته النَّاس على اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، فَالْخُلُقُ الْعَظِيمُ أَرْفَعُ مِنْ مُطْلَقِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ. وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» ، أَلَسْتَ تَقْرَأُ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١] الْآيَاتِ الْعَشْرَ» .
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 64) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 64 · #147199
وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» ، أَلَسْتَ تَقْرَأُ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١] الْآيَاتِ الْعَشْرَ» . وَعَنْ عَلِيٍّ: الْخُلُقُ الْعَظِيمُ: هُوَ أَدَبُ الْقُرْآنِ وَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ مَا وَصَفَ بِهِ الْقُرْآنُ مَحَامِدَ الْأَخْلَاقِ وَمَا وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمرَان: ١٥٩] وَقَوْلِهِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الْأَعْرَاف: ١٩٩] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 64) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 64 · #147200
عمرَان: ١٥٩] وَقَوْلِهِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الْأَعْرَاف: ١٩٩] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ. وَمَا أَخَذَ بِهِ مِنَ الْأَدَبِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ غَيْرَ الْقُرْآنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» ، فَجَعَلَ أَصْلَ شَرِيعَتِهِ إِكْمَالَ مَا يَحْتَاجُهُ الْبَشَرُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَكْبَرُ مَظْهَرٍ لِمَا فِي شَرْعِهِ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها [الجاثية: ١٨] وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الْأَنْعَام: ١٦٣] . فَكَمَا جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التَّخَلُّقِ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ بِمُنْتَهَى الْاسْتِطَاعَةِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 64) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 64 · #147201
َ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التَّخَلُّقِ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ بِمُنْتَهَى الْاسْتِطَاعَةِ. وَبِهَذَا يَزْدَادُ وُضُوحًا مَعْنَى التَّمَكُّنِ الَّذِي أَفَادَهُ حَرْفُ الْاسْتِعْلَاءِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ الْخُلُقُ الْعَظِيمُ فِي نَفْسِهِ، وَمُتَمَكِّنٌ مِنْهُ فِي دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ جُمَاعَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْخُلُقِ الْحَسَنِ هُوَ التَّدَيُّنُ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقَائِقِ، وَحِلْمُ النَّفْسِ، وَالْعَدْلُ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَتَاعِبِ، وَالْاعْتِرَافُ لِلْمُحْسِنِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالزُّهْدُ، وَالْعِفَّةُ، وَالْعَفْوُ، وَالْجُمُودُ، وَالْحَيَاءُ، وَالشَّجَاعَةُ، وَحُسْنُ الصَّمْتِ، وَالتَّؤُدَةُ، وَالْوَقَارُ، وَالرَّحْمَةُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ.
QS 68:1-4 (jilid 29 hlm. 64) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 29 · hlm. 64 · #147202
وَالْجُمُودُ، وَالْحَيَاءُ، وَالشَّجَاعَةُ، وَحُسْنُ الصَّمْتِ، وَالتَّؤُدَةُ، وَالْوَقَارُ، وَالرَّحْمَةُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ. وَالْأَخْلَاقُ كَامِنَةٌ فِي النَّفْسِ وَمَظَاهِرُهَا تَصَرُّفَاتُ صَاحِبِهَا فِي كَلَامِهِ، وَطَلَاقَةِ وَجْهِهِ، وَثَبَاتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَحَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ، وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَتَأْدِيبِ أَهْلِهِ وَمَنْ لِنَظِرِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالسُّمْعَةِ. وَأَمَّا مَظَاهِرُهَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفِي ذَلِكَ كُله وَفِي سياسته أُمَّتِهِ، وَفِيمَا خُصَّ بِهِ مِنْ فَصَاحَةِ كَلَامِهِ وجوامع كَلمه. [٥- ٦]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 16:125QS 45:29QS 53:30QS 54:26QS 95:6

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 68:3