القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: ودعنى يا محمد والمكذِّبين بآياتي، ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾. يعنى: أهلَ التنعُّمِ في الدنيا، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: وأخِّرْهم بالعذابِ الذي بسَطْتُه لهم قليلًا، حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله.
وذُكِر أن الذي كان بين نزول هذه الآية وبينَ بدرٍ يسيرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن محمد بن إسحاق، عن ابن عبادٍ، عن أبيه عبادِ بن عبدِ اللهِ بن الزبيرِ، عن عائشةَ قالت: لما نزلَت هذه الآية: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ الآية.
قالت: لما نزلَت هذه الآية: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ الآية. قالت لم يَكُنْ إلا يسيرًا حتى كانت وقعةُ بدر.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ ﷿: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: إن لله ﷻ فيهم طَلِبةً وحاجةً.
وقولُه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن عندَنا لهؤلاء المكذِّبين بآياتنا ﴿أَنْكَالًا﴾. يعنى قيودًا، واحدُها نِكْلٌ.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي عمرٍو، [عن عكرمةَ أن] الآيةَ التي قال اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ إنها قيودٌ.
حدَّثني عبيدٌ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾.
لًا وَجَحِيمًا﴾ إنها قيودٌ.
حدَّثني عبيدٌ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا.
[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا].
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرٍو، عن عكرمة: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: وبلَغَنى عن مجاهدٍ، قال: الأنكالُ القيودُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، [قال: الأنكالُ القيودُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن حمادٍ مثله.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ حمادًا يقولُ: الأنكالُ القيودُ].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾.
، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ حمادًا يقولُ: الأنكالُ القيودُ].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. أي: قيودًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن مباركٍ، عن الحسن، و عن سفيانَ، عن أبي [عمرٍو القاصِّ]، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قالا: قيودًا.
حدَّثنا أبو عبيد الوَصَّابِيُّ محمدُ بنُ حفصٍ، قال: ثنا ابنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا الثوريُّ، عن حمادٍ في قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. قال: الأنكالُ القيودُ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ عَنْبَسةَ الرازيُّ، قال: مررتُ بابنِ السَّمَّاكِ وهو يَقُصُّ، وهو يقولُ: سَمِعْتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: سمِعْتُ حمادًا يقولُ في [قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا سوداءَ من نارِ جهنمَ
وقولُه: ﴿وَجَحِيمًا﴾. يقولُ: ونارًا تَسَعَّرُ.
وقولُه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾.
للهِ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾. قال: قيودًا سوداءَ من نارِ جهنمَ
وقولُه: ﴿وَجَحِيمًا﴾. يقولُ: ونارًا تَسَعَّرُ.
وقولُه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. يقولُ: وطعامًا يَغَصُّ به آكلُه، فلا هو نازلٌ من حلقِه، ولا هو خارجٌ منه.
كما حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ وابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. قال: شوكٌ يَأْخُذُ بالحَلقِ، فلا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. قال: شجرةَ الزَّقُّومِ.
وقولُه: ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: وعذابًا مؤلمًا موجعًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمزةَ الزَّيَّاتِ، عن حُمْرانَ بن أَعْيَنَ أن النبيَّ ﷺ قرَأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ ".
فصَعِق ﷺ.
بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا (١٨)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلا وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متوعدًا لكفار قومه ومتهددًا -وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء-:
(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ) أي: دعني والمكذبين المترفين أصحابَ الأموال، فإنهم أقدر على الطاعة من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم، (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا) أي: رويدا، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا) وهي: القيود.
دا، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا) وهي: القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بريدة، وأبو عمران الجوني، وأبو مِجلَز، والضحاك، وحماد بن أبي سلمان، وقتادة والسدي، وابن المبارك والثوري، وغير واحد، (وَجَحِيمًا) وهي السعير المضطرمة.
(وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج.
(وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ) أي: تزلزل، (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا) أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفا، لا ترى فيها عوجًا، أي: واديا، ولا أمتا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.
نسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفا، لا ترى فيها عوجًا، أي: واديا، ولا أمتا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.
ثم قال مخاطبًا لكفار قريش، والمراد سائر الناس: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) أي: بأعمالكم، (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والثوري: (أَخْذًا وَبِيلا) أي: شديدا، أي فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران.
تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران. ويُروَى عن ابن عباس ومجاهد.
وقوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) يحتمل أن يكون (يَوْمًا) معمولا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: "فكيف تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به"؟ ويحتمل أن يكون معمولا لكفرتم، فعلى الأول: كيف
يحصلُ لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم.
ومعنى قوله: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. فيقول مِن كم؟
له أعلم.
ومعنى قوله: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. فيقول مِن كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.
قال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) قال: "ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار. قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، وينجو واحد". فاشتد ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل.
مين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل. ففيهم وفي أشباههم جنة لكم".
هذا حديث غريب، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث.
وقوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) قال الحسن، وقتادة: أي بسببه من شدته وهوله. ومنهم من يعيد الضمير على الله ﷿. وروي عن ابن عباس ومجاهد، وليس بقوي؛ لأنه لم يجر له ذكر هاهنا.
وقوله تعالى: (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا) أي: كان وعد هذا اليوم مفعولا أي واقعًا لا محالة، وكائنا لا محيد عنه.