القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن لدينا لهؤلاء المشركين من قريش الذين يُؤْذُونك يا محمدُ، العقوباتِ التي وصَفَها جَلَّ ثناؤه، في يومٍ تَرْجُفُ الأرضُ والجبالُ. ورُجفانُ ذلك اضطرابُه بمن عليه، وذلك يومَ القيامة.
وقولُه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت الجبالُ رملًا سائلًا متناثرًا. والمَهِيلُ مفعولٌ، من قول القائلِ: هِلْتُ الرمل، فأنا أُهِيلُه. وذلك إذا حُرِّك أسفلِّه، فانهال عليه مِن أعلاه، وللعرب في ذلك لغتان، تقولُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ. و: مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومنه قول الشاعرِ:
قد كان قومُكَ يَحْسَبونك سيدًا … وإخالُ أنك سيدٌ مَعْيونُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.
كرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. يقولُ: الرملُ السائلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال: الكثيبُ المهيلُ اللينُ إذا مسَسْتَه تَتابَع.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال: يَنْهالُ.
بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا (١٨)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلا وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متوعدًا لكفار قومه ومتهددًا -وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء-:
(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ) أي: دعني والمكذبين المترفين أصحابَ الأموال، فإنهم أقدر على الطاعة من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم، (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا) أي: رويدا، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا) وهي: القيود.
دا، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا) وهي: القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بريدة، وأبو عمران الجوني، وأبو مِجلَز، والضحاك، وحماد بن أبي سلمان، وقتادة والسدي، وابن المبارك والثوري، وغير واحد، (وَجَحِيمًا) وهي السعير المضطرمة.
(وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج.
(وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ) أي: تزلزل، (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا) أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفا، لا ترى فيها عوجًا، أي: واديا، ولا أمتا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.
نسف نسفا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفا، لا ترى فيها عوجًا، أي: واديا، ولا أمتا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.
ثم قال مخاطبًا لكفار قريش، والمراد سائر الناس: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) أي: بأعمالكم، (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والثوري: (أَخْذًا وَبِيلا) أي: شديدا، أي فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران.
تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران. ويُروَى عن ابن عباس ومجاهد.
وقوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) يحتمل أن يكون (يَوْمًا) معمولا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود: "فكيف تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به"؟ ويحتمل أن يكون معمولا لكفرتم، فعلى الأول: كيف
يحصلُ لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم.
ومعنى قوله: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. فيقول مِن كم؟
له أعلم.
ومعنى قوله: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. فيقول مِن كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.
قال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) قال: "ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار. قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، وينجو واحد". فاشتد ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل.
مين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل. ففيهم وفي أشباههم جنة لكم".
هذا حديث غريب، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث.
وقوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) قال الحسن، وقتادة: أي بسببه من شدته وهوله. ومنهم من يعيد الضمير على الله ﷿. وروي عن ابن عباس ومجاهد، وليس بقوي؛ لأنه لم يجر له ذكر هاهنا.
وقوله تعالى: (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا) أي: كان وعد هذا اليوم مفعولا أي واقعًا لا محالة، وكائنا لا محيد عنه.