اختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك [عامةُ قرأةِ المدينة: (مُسْتَتَفَرَةٌ) بفتحِ الفاءِ، بمعنى مذعورةٌ قد ذعَرتها القسورةُ. وقرَأته] عامهُ قرأَةِ
الكوفةِ والبصرةِ بكسرِ الفاءِ، وهى قراءةُ بعضِ المكيِّين أيضًا بمعنى نافرةٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وكان الفرَّاءُ يقولُ: الفَتْحُ والكَسْرُ في ذلك كثيران في كلامِ العربِ؛ وأنشَد:
أمْسِكْ حِمارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ … في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب
وقولُه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القَسْوَرَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الرماةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
ُهم: هم الرماةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ.
حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي موسى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هي الرماةُ.
[قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ]، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾. قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ].
عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾. قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ]. زاد الحارثُ في حديثِه قال: وقال بعضُهم في القَسْوَرَةِ: هو الأسَدُ. وبعضُهم: الرماةُ.
حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القَسْوَرَةُ الرماةُ. فقال رجلٌ لعكرمةَ: هو الأَسَدُ بلسان الحبشةِ؟ فقال عكرمة: اسمُ الأسدِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
ِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. [قال: الرماةِ].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ،
عن [سليمِ بن عبدٍ] السَّلُولِّي، عن ابن عباسٍ، قال: هي الرماةُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماةُ القُنَّاصُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: [قَسْوَرَةٌ النَّبْلُ.
وقال] آخرون: هم القُنَّاصُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. يعنى: رجالِ القَنْصِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
جالِ القَنْصِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هم القُنَّاصُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن
جبيرٍ، قال: هم القُنَّاصُ.
وقال آخرون: هم جماعةُ الرجالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، فقال: ما أَعْلَمُه بِلُغَةِ أحدٍ مِن العرب الأسدَ، هي عُصَبُ الرجالِ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ عبدِ الوارثِ، قال: سمِعتُ أبى يُحَدِّثُ، قال: ثنا داودُ، قال: ثنى عباسُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى بنى هاشمٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، قال: جَمْعُ الرجالِ، ألم تَسْمَعْ ما قالت فلانةُ في الجاهليةِ:
[يا بنتى كوني] خَيْرةً لخيِّرَه … أخوالُها في الحيِّ أهلُ القسورهْ
وقال آخرون: هي أصواتُ الرجالِ.
ُ الرجالِ، ألم تَسْمَعْ ما قالت فلانةُ في الجاهليةِ:
[يا بنتى كوني] خَيْرةً لخيِّرَه … أخوالُها في الحيِّ أهلُ القسورهْ
وقال آخرون: هي أصواتُ الرجالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ
في: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو رِكْزُ الناسِ؛ أصواتهم.
قال أبو كريبٍ، قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].
وقال آخرون: بل هو الأسدُ
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن سِيْلانَ، أن أبا هريرةَ كان يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
ال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن سِيْلانَ، أن أبا هريرةَ كان يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ.
حدَّثني محمدُ بنُ [معمرٍ، [عن عبدِ الملكِ بن عمرٍو]، قال: ثنا هشامٌ، عن زيدٍ، [عن ابن سيلانَ، عن أبي هريرةَ في قولِه]: ﴿فَرَّتْ مِنْ
قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسدِ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ.
حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قتيبةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهْرانَ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل عن قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية الأسدُ، وبالفارسيةِ شار، وبالنَّبَطِيَّة أريا، وبالحبشية قسورةٌ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
وبالنَّبَطِيَّة أريا، وبالحبشية قسورةٌ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. يقولُ: الأسدِ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي هريرةَ قال: الأسدِ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القسورةُ الأسدُ.
وقولُه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين في إعراضِهم عن هذا القرآنِ أنهم لا يَعْلَمون أنه من عندِ اللهِ،
ولكن كلُّ رجلٍ منهم يريدُ أن يؤتَى كتابًا من السماءِ يَنْزِلُ عليه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾.
كرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. قال: [قد قال] قائلون من الناسِ: يا محمد، إِنْ سَرَّك أن نَتَّبِعَك فَأتِنا بكتابٍ، خاصةً إلى فلانٍ وفلانٍ، نُؤْمَرُ فيه باتِّباعك. قال قتادةُ: يُريدون أن يُؤتوا براءةً بغير عملٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. قال: إلى فلانِ [بن فلانٍ] من ربِّ العالمين.
وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمون، من أنهم لو أوتوا صحفًا مُنَشَّرَةً صدَّقوا، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾.
لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمون، من أنهم لو أوتوا صحفًا مُنَشَّرَةً صدَّقوا، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: لكنهم لا يَخافون عقابَ اللهِ، ولا يُصَدِّقون بالبعثِ والثوابِ والعقابِ،
فذلك الذي دعاهم إلى الإعراضِ عن تذكرةِ اللهِ، وهوَّن عليهم تركَ الاستماعِ لوحيهِ وتنزيلِه.
وبنحوِ الذي قلْنا [في ذلك] قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ إنما أفسَدهم أنهم كانوا لا يُصَدِّقون بالآخرةِ، ولا يَخافونَها، هو الذي أفسَدهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ المشرِكون في هذا القرآن من أنه سحرٌ يُؤْثَرُ، وأنه قولُ البشرِ، ولكنه تذكِرةٌ من اللهِ لخلقِه، ذكَّرهم به.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: القرآنَ.
وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن شاء من عباد الله الذين ذكَّرهم اللهُ بهذا القرآنِ ذكرَه، [فاتَّعظ به واستعمَل] ما فيه من أمرِ اللهِ ونهِيه، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾.
شاء من عباد الله الذين ذكَّرهم اللهُ بهذا القرآنِ ذكرَه، [فاتَّعظ به واستعمَل] ما فيه من أمرِ اللهِ ونهِيه، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
وما يَذْكُرون هذا القرآنَ فيتَّعِظون به، ويَسْتَعْمِلون ما فيه، إلا أن يَشَاءَ اللهُ أن يَذْكُرُوه، لأنه لا أحدَ يَقْدِرُ على شيءٍ إلا بأن يَشَاءَ اللهُ أن يُقَدِّرَه عليه ويُعْطِيه القدرة عليه.
وقولُه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى [وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾]. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ أهلٌ أن يَتَّقِى عبادُه عقابَه على معصيتِهم إياه، فيَجْتَنِبوا معاصِيَه، ويُسَارعوا إلى طاعتِه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. يقولُ: هو أهلٌ أن يَغْفِرَ ذنوبهم إذا هم فعَلوا ذلك، [ولا] يُعاقبهم عليها مع توبتهم منها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
ك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. ربُّنا محقوقٌ أن تُتَّقَى مَحارِمُه، وهو أَهلُ المغفرةِ يَغْفِرُ الذنوبَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. قال: أهلٌ أن تُتَّقَى محارمُه، وأهل المغفرةِ: أهلٌ أن يَغْفِرَ الذنوبَ.
آخر تفسير سورة المدثر
﷽
[تفسيرُ سورةِ "القيامةِ"
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾
قال الله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) أي: من كان متصفا بهذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة، خالدا فيها.
ثم قال تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين،
لا محالة، خالدا فيها.
ثم قال تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين،
(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) أي: كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه حُمُر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد، قاله أبو هريرة، وابن عباس -في رواية-عنه وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. أو: رام، وهو رواية عن
ابن عباس، وهو قول الجمهور.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: الأسد، بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير وبالنبطية: أويا.
(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على النبي.
(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل.
فقوله: (كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ) أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها.
ثم قال تعالى: (كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) أي: حقا إن القرآن تذكرة،
(فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه) كقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) أي: هو أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يَغفر ذنب من تاب إليه وأناب.
أَنْ يَشَاءَ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) أي: هو أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يَغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل -أخو حزم -حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له".
ورواه الترمذي، وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافي بن عمران كلاهما عن سُهَيل بن عبد الله القطعي، به وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هُدْبَة بن خالد، عن سُهَيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى، والبَزار، والبَغَوي، وغيرهم، من حديث سُهَيل القُطَعي، به.
آخر تفسير سوره "المدثر" ولله الحمد والمنة
[وحسبنا الله ونعم الوكيل]
تفسير سورة القيامة
وهي مكية.
﷽