القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: ثم يَتَفضَّلُ اللَّهُ بتوفيقه للتوبةِ والإنابةِ إليه من بعد عذابه الذي به عَذَّب مَن هَلَك منهم قتلا بالسيف ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ﴾. أي: يتوبُ اللَّهُ على مَن يشاءُ مِن الأحياء، يُقْبِلُ به إلى طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أنابَ
وتابَ إليه منهم ومن غيرهم منها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، فلا يُعَذِّبُهم بعد توبتهم، ولا يُؤاخِذُهم بها بعد إنابتهم.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾
وقوله: (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجِعِرَّانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما، فعند ذلك خَيَّرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم أموالهم بين الغانمين، ونفل أناسا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائةً مائةً من الإبل، وكان من جملة من أعطي مائة مالك بن عوف النَّضْري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ما إنْ رَأيتُ ولا سَمعتُ بمثْلِه … في النَّاس كُلّهم بمثل مُحَمَّد
أوْفَى وأعْطَى للجزيل إذا اجتُدى … ومَتى تَشَأ يُخْبرْكَ عَمّا في غَد
وإذَا الكتيبة عَرّدَتْ أنيابُها … بالسَّمْهَريّ وَضَرْب كُلّ مُهَنَّد