القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾.
ذُكِر أن هذه الآيةَ وما بعدَها نزَلت في أبي جهلِ بن هشامٍ، وذلك أنه قال فيما بلَغنا: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ رقبته. وكان فيما ذُكِر قد نَهَى رسولَ اللَّهِ ﷺ، أن يُصَلَّى، فقال اللَّهِ لنبيِّه محمد ﷺ:
أرأيتَ يا محمد أبا جهلٍ الذي يَنْهاك أن تُصَلِّى عِندَ المَقامِ، وهو مُعرِضْ عن الحقِّ مكذِّبٌ به؟! يُعَجِّبُ جَلَّ ثناؤُه نبيَّه والمؤمنين من جهلِ أبى جهلٍ، وجراءتِه على ربَّه، في نهيه محمدًا عن الصلاةِ لربِّه، وهو مع أياديه عنده مكذِّبٌ به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.
ي الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: أبو جهلٍ، يَنْهَى
محمدًا ﷺ إذا صلى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: نزلت في عدوِّ اللَّهِ أبى جهلٍ؛ وذلك لأنه قال: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقه. فأنزل اللَّهِ ما تسمعون.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقِه. قال: وكان يقال: لكلِّ أمةٍ فرعونٌ.
رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال: قال أبو جهلٍ: لئن رأيتُ محمدًا يصلِّى لأطأَنَّ على عنقِه. قال: وكان يقال: لكلِّ أمةٍ فرعونٌ. وفرعونُ هذه الأمةِ أبو جهلٍ.
حدَّثنا إسحاقُ بن شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلى، فجاءه أبو جهل فنهَاه أن يصلِّىَ، فأنزل اللَّهُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾.
نفسه قد استغنى وكثر ماله. ثم تَهدده وتوعده ووعظه فقال: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) أي: إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسبك على مالك: من أين جمعته؟ وفيم صرفته؟
قال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو عُمَيس، عن عون قال: قال عبد الله: مَنهومان لا يشبعان، صاحب العلم وصاحب الدنيا، ولا يستويان،
فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. قال ثم قرأ عبد الله: (إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد رُوي هذا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا".
ر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد رُوي هذا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا".
ثم قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى) نزلت في أبي جهل، لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال: (أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى) أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، (أو أَمَرَ بِالتَّقْوَى) بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؛ ولهذا قال: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء.
ثم قال تعالى متوعدًا ومتهددًا: (كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) أي: لنَسمَنَّها سوادا يوم القيامة.
ثم قال: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعَالها.
فَعًا بِالنَّاصِيَةِ) أي: لنَسمَنَّها سوادا يوم القيامة.
ثم قال: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعَالها.
(فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) أي: قومه وعشيرته، أي: ليدعهم يستنصر بهم، (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم من يغلبُ: أحزبُنا أو حزبه.
قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عُنُقه. فبَلغَ النبي ﷺ، فقال: "لئن فعله لأخذته الملائكة".
ريم الجَزَري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عُنُقه. فبَلغَ النبي ﷺ، فقال: "لئن فعله لأخذته الملائكة". ثم قال: تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو-عن عبد الكريم.
وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق، به وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن زكريا بن عَدِيّ، عن عبيد الله بن عمرو، به.
وروى أحمد، والترمذي وابن جرير -وهذا لفظه-من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا؟ -وَتَوعَّده-فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد،
بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا!
هشام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا؟ -وَتَوعَّده-فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد،
بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا! فأنزل الله: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا إسماعيل بن زيد أبو يزيد، حدثنا فُرَات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تَمَنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُبَاهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا".
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه.
ثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه. فأنزل الله، ﷿: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ حتى بلغ هذه الآية: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) فجاء النبي ﷺ فصلى فقيل: ما يمنعك؟ قال: قد اسودّ ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيرة قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفِّرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يُصَلي ليطأ على رقبته، قال: فما فَجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟
ته ولأعفِّرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يُصَلي ليطأ على رقبته، قال: فما فَجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خَنْدقا من نار وهَولا وأجنحة. قال: فقال رسول الله: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". قال: وأنزل الله -لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا-: (كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى) إلى آخر السورة.
وقد رواه أحمد بن حنبل، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، من حديث معتمر بن سليمان، به.
وقوله: (كَلا لا تُطِعْهُ) يعني: يا محمد، لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصلِّ حيث شئت ولا تباله؛ فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس، (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) كما ثبت في الصحيح -عند مسلم-من طريق عبد الله بن وهب، عن
عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
، عن
عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
وتقدم أيضًا: أن رسول الله ﷺ كان يسجد في: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
آخر تفسير سورة "اقرأ".
تفسير سورة القدر
وهي مكية.
﷽