القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾.
يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: محمدًا. يقول: اقرَأْ يا محمدُ بذكرِ ربِّك الذي خلَق.
ثم بين الذي خلق فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. يعنى: من الدم، وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾. والمراد به: من عَلَقَةٍ؛ لأنه ذهَب إلى الجمعِ، كما يقالُ: شجرة وشجرٌ، وقصبَةٌ وقَصَبٌ، وكذلك علقةٌ وعَلَقٌ. وإنما قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأنه في معنى جمع، وإن كان في لفظِ واحدٍ؛ فلذلك قيل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾.
وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾.
ل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، والإنسانُ في لفظِ واحدٍ؛ لأنه في معنى جمع، وإن كان في لفظِ واحدٍ؛ فلذلك قيل: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾.
وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. يقولُ: اقْرَأْ يا محمدُ ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ خَلْقَه الكتاب والخَطَّ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قرأ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. قال: القلمُ نعمةٌ من اللَّهِ عظيمةٌ، لولا ذلك لم يقُمْ ولم يَصْلُحْ عيشٌ.
وقيل: إن هذه أوَّلُ سورة نزلت في القرآن على رسول اللَّهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
قال: القلمُ نعمةٌ من اللَّهِ عظيمةٌ، لولا ذلك لم يقُمْ ولم يَصْلُحْ عيشٌ.
وقيل: إن هذه أوَّلُ سورة نزلت في القرآن على رسول اللَّهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ البصريُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سَمِعتُ النعمان بن راشدٍ يقولُ عن الزهريِّ، عن عروةَ، عائشةَ أنها عن قالت: كان أولُ ما ابتُدئ به رسولُ اللَّهِ ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقةَ كانت تَجيءُ مثل فَلَقِ الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاءُ، فكان بغارِ حِراءٍ يَتَحنَّثُ فيه اللياليَ ذواتِ العددِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أهلِه، ثم يرجعُ إلى أهله فيَتَزَوَّدُ لمثلِها، حتى فجَأَه الحقُّ، فأتاه فقال: يا محمدُ، أنت رسولُ اللَّهِ. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "فجتَوتُ لركبَتيَّ وأنا قائمٌ، ثم رجَعتُ تَرْجُفُ بَوادِرى، ثم دخلتُ على خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني. حتى ذهَب عنى الرَّوْعُ، ثم أتاني، فقال: يا محمدُ، أنت رسولُ اللَّهِ".
مٌ، ثم رجَعتُ تَرْجُفُ بَوادِرى، ثم دخلتُ على خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني. حتى ذهَب عنى الرَّوْعُ، ثم أتاني، فقال: يا محمدُ، أنت رسولُ اللَّهِ". قال: "فلقد همَمتُ أن أطرَحَ نفسى من حالقٍ من جبل، [فَتَبَدَّى لى] حينَ همَمتُ بذلك، فقال: يا محمدُ، أنا جبريلُ وأنت رسولُ اللَّهِ. ثم قال: ﴿اقْرَأْ﴾. قلت: "ما أقرأُ؟ ". قال: (فأخذني فغَطَّنى ثلاثَ مراتٍ، حتى بلَغ منى الجَهْدُ، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقرَأتُ، فأتَيتُ خديجة، فقلتُ: لقد أشفَقتُ على نفسى. فأخبَرتُها خبرى، فقالت: أَبْشِرْ، فواللَّهِ لا يُخزيك اللَّهِ أبدًا، وواللَّهِ إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتؤدِّى الأمانةَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِى الضيفَ، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ. ثم انطَلَقَتْ بي إلى ورقةَ بن نوفلِ بن أسدٍ، قالت: اسمَعْ من ابن أخيك. فسألني، فأخبَرته خبرى، فقال: هذا الناموسُ الذي أُنزِل على موسى، ليتني فيها جَذَعٌ، ليتنى أكونُ حَيًّا حينَ يُخْرِجُك قومك.
قالت: اسمَعْ من ابن أخيك. فسألني، فأخبَرته خبرى، فقال: هذا الناموسُ الذي أُنزِل على موسى، ليتني فيها جَذَعٌ، ليتنى أكونُ حَيًّا حينَ يُخْرِجُك قومك. قلتُ: أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟
قال: نَعمْ، إنه لم يَجِئْ رجلٌ قطُّ بما جئتَ به إلا عُودِىَ، ولئن أَدْرَكنى يومُك أَنصُرْك نصرًا مؤزرًا. ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن بعد "اقرأ": ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ١ - ٥] و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، و ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ " [الضحى: ١، ٢].
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروة، أن عائشة أخبرته. وذكَر نحوه، غيرَ أنه لم يقلْ: "ثم كان أوّلُ ما أُنزِل عليَّ من القرآن".
ا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروة، أن عائشة أخبرته. وذكَر نحوه، غيرَ أنه لم يقلْ: "ثم كان أوّلُ ما أُنزِل عليَّ من القرآن". الكلامَ إلى آخرِ.
حدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شدّادٍ، قال: أتى جبريلُ محمدًا ﷺ، فقال: يا محمدُ، اقْرَأْ. فقال: "وما أقرَأُ؟ ". قال: فضمَّه، ثم قال: يا محمد، اقْرَأْ. قال: "وما أقرأُ؟ ". قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: فجاء إلى خديجة، فقال: (يا خديجةُ، ما أُراه إلا قد عُرض لى". قالت: كلا، واللَّهِ ما كان ربُّك يفعلُ ذلك بك، وما أتيتَ فاحشةً قطُّ. قال: فأَتَتْ خديجة ورقةً، فأخبَرته الخبرَ، قال: لئن كنتِ صادقةً إن زوجَكِ لنبيٌّ، ولَيَلْقَيَنَّ من أمتِه شدةً، ولئن أدرَكتُه
لأُومِنَنَّ بِهِ. قال: ثم أبطَأ عليه جبريلُ، فقالت له خديجةُ: ما أرَى ربَّك إلا قد قلاك.
ن زوجَكِ لنبيٌّ، ولَيَلْقَيَنَّ من أمتِه شدةً، ولئن أدرَكتُه
لأُومِنَنَّ بِهِ. قال: ثم أبطَأ عليه جبريلُ، فقالت له خديجةُ: ما أرَى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل اللَّهِ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].
حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ - قال إبراهيم: قال سفيانُ: حفظه لنا ابن إسحاقَ -: إِن أَوَّلَ شَيءٍ أُنزِل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ بشرِ بن الحكمِ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: إن أولَ سورة أُنزِلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ، قال: أول سورةٍ نزَلت على محمد رسولُ اللَّهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
ا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ، قال: أول سورةٍ نزَلت على محمد رسولُ اللَّهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ عبيد بن عميرٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلم، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: ثنا قرةُ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ العُطارديُّ، قال: كنا في المسجدِ الجامعِ، ومُقرِئُنا أبو موسى الأشعريُّ، كأني أنظرُ إليه بينَ بُردَين أبيضَين.
قال: ثنا قرةُ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ العُطارديُّ، قال: كنا في المسجدِ الجامعِ، ومُقرِئُنا أبو موسى الأشعريُّ، كأني أنظرُ إليه بينَ بُردَين أبيضَين. قال أبو رجاءٍ: عنه أخَذتُ هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكانت أول سورة نزلت على محمدٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءٍ بن يسارٍ، قال: أولُ سورة نزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ بُن مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولُ ما نزَل من القرآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
شارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ بُن مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولُ ما نزَل من القرآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وزاد ابن مهديٍّ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: أولُ ما أُنزِل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
قال: ثنا وكيعٌ، عن قُرَّةَ بن خالدٍ، عن أبي رجاءٍ العُطارديُّ، قال: إني لأنظُرُ إلى أبي موسى وهو يقرأُ القرآنَ في مسجد البصرةِ وعليه بُردان أبيضان، فأنا أخَذتُ منه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهى أولُ سورةٍ أُنزِلت على محمدٍ ﷺ.
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: إن أولَ سورةٍ أُنزِلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه:
وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
َمِ﴾ [القلم: ١].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه:
وقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: علَّم الإنسان الخطَّ بالقلمِ ولم يكُنْ يَعْلَمُه، مع أشياءَ غيرِ ذلك مما علَّمه ولم يكُنْ يَعْلَمُه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: علَّم الإنسانَ خطًّا بالقلمِ.
وقوله: ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسانَ؛ أن يُنَعِمَ عليه ربُّه بتسويتِه خَلْقَه، وتعليمه ما لم يكنْ يعلم، وإنعامِه بما لا كُفْءَ له، ثم يكفرَ بربِّه الذي فعَل به ذلك، ويَطْغَى عليه؛ أن رأه استَغنَى.
وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
بما لا كُفْءَ له، ثم يكفرَ بربِّه الذي فعَل به ذلك، ويَطْغَى عليه؛ أن رأه استَغنَى.
وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. يقولُ: إن الإنسانَ ليتجاوزُ حدَّه، ويستكبِرُ على ربِّه فيكفُرُ به؛ لأن رأى نفسه استَغنَتْ.
وقيل: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾؛ لحاجة "رأَى" إلى اسمٍ وخبرٍ، وكذلك تفعَلُ العرب في كلِّ فعْلٍ اقتضى الاسمَ والفعلَ، إذا أوقَعه المخبِرُ عن نفسِه على نفسِه مُكَنيًا
عنها، فيقولُ: متى تُراك خارجًا؟ ومتى تَحْسَبُك سائرًا؟ فإذا كان الفعلُ لا يقتضى إلا منصوبًا واحدًا، جعلوا موضعَ المكنيِّ "نفسه"، فقالوا: قتَلْتَ نفسَك. ولم يقولوا: قَتَلْتَكَ. ولا: قتلَه.
وقولُه: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. يقولُ: إن إلى ربِّك يا محمدُ مَرْجِعَه، فذائقٌ من أليمِ عقابه ما لا قِبَلَ له به.
نفسه قد استغنى وكثر ماله. ثم تَهدده وتوعده ووعظه فقال: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) أي: إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسبك على مالك: من أين جمعته؟ وفيم صرفته؟
قال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو عُمَيس، عن عون قال: قال عبد الله: مَنهومان لا يشبعان، صاحب العلم وصاحب الدنيا، ولا يستويان،
فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. قال ثم قرأ عبد الله: (إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد رُوي هذا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا".
ر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد رُوي هذا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ: "منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا".
ثم قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى) نزلت في أبي جهل، لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولا فقال: (أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى) أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، (أو أَمَرَ بِالتَّقْوَى) بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته؛ ولهذا قال: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء.
ثم قال تعالى متوعدًا ومتهددًا: (كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) أي: لنَسمَنَّها سوادا يوم القيامة.
ثم قال: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعَالها.
فَعًا بِالنَّاصِيَةِ) أي: لنَسمَنَّها سوادا يوم القيامة.
ثم قال: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعَالها.
(فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) أي: قومه وعشيرته، أي: ليدعهم يستنصر بهم، (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم من يغلبُ: أحزبُنا أو حزبه.
قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عُنُقه. فبَلغَ النبي ﷺ، فقال: "لئن فعله لأخذته الملائكة".
ريم الجَزَري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عُنُقه. فبَلغَ النبي ﷺ، فقال: "لئن فعله لأخذته الملائكة". ثم قال: تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو-عن عبد الكريم.
وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق، به وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن زكريا بن عَدِيّ، عن عبيد الله بن عمرو، به.
وروى أحمد، والترمذي وابن جرير -وهذا لفظه-من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا؟ -وَتَوعَّده-فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد،
بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا!
هشام فقال: يا محمد، ألم أنهك عن هذا؟ -وَتَوعَّده-فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد،
بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا! فأنزل الله: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا إسماعيل بن زيد أبو يزيد، حدثنا فُرَات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تَمَنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُبَاهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا".
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه.
ثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه. فأنزل الله، ﷿: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ حتى بلغ هذه الآية: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) فجاء النبي ﷺ فصلى فقيل: ما يمنعك؟ قال: قد اسودّ ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيرة قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفِّرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يُصَلي ليطأ على رقبته، قال: فما فَجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟
ته ولأعفِّرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يُصَلي ليطأ على رقبته، قال: فما فَجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خَنْدقا من نار وهَولا وأجنحة. قال: فقال رسول الله: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". قال: وأنزل الله -لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا-: (كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى) إلى آخر السورة.
وقد رواه أحمد بن حنبل، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، من حديث معتمر بن سليمان، به.
وقوله: (كَلا لا تُطِعْهُ) يعني: يا محمد، لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وصلِّ حيث شئت ولا تباله؛ فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس، (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) كما ثبت في الصحيح -عند مسلم-من طريق عبد الله بن وهب، عن
عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
، عن
عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
وتقدم أيضًا: أن رسول الله ﷺ كان يسجد في: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
آخر تفسير سورة "اقرأ".
تفسير سورة القدر
وهي مكية.
﷽